15 شباط 2010

تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

تأليف

الشيخ محمد الأمين بن محمد المختار الجنكي الشنقيطي

المتوفى سنة 1393هـ


{‏بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏}‏

لم يذكر لحمده هنا ظرفًا مكانيًا ولا زمانيًا‏.‏ وذكر في سورة الروم أن من ظروفه المكانية‏:‏ السماوات والأرض في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ‏}‏، وذكر في سورة القصص أن من ظروفه الزمانية‏:‏ الدنيا والآخرة في قوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الأُولَى وَالآخِرَةِ‏}‏، وقال في أول سورة سبأ‏:‏ ‏{‏وَلَهُ الْحَمْدُ فِى الاْخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ‏}‏ والألف واللام في ‏{‏الْحَمْدُ‏}‏ لاستغراق جميع المحامد‏.‏ وهو ثناء أثنى به تعالى? على نفسه وفي ضمْنه أمَرَ عباده أن يثنوا عليه به‏.‏

وقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏رَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏ لم يبين هنا ما العالمون، وبين ذلك في موضع آخر بقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا‏}‏

قال بعض العلماء‏:‏ اشتقاق العالم من العلامة، لأن وجود العالم علامة لا شك فيها على وجود خالقه متصفًا بصفات الكمال والجلال، قال تعالى?‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السموات والأرض لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ‏}‏، والآية في اللغة‏:‏ العلامة السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ‏.‏

‏{‏الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏}‏

هما وصفان للَّه تعالى?، واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحم?ن أشد مبالغة من الرحيم، لأن الرحم?ن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، و الرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة‏.‏ وعلى هذا أكثر العلماء‏.‏ وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا‏.‏ وفي تفسير بعض السلف ما يدل عليه، كما قاله ابن كثير، ويدل له الأثر المروي عن عيسى كما ذكره ابن كثير وغيره أنه قال عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام‏:‏ الرَّحْم?نِ رحم?ن الدنيا والآخرة والرَّحِيم رحيم الآخرة‏.‏ وقد أشار تعالى? إلى هذا الذي ذكرنا حيث قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى‏}‏، فذكر الاستواء باسمه الرحم?ن ليعم جميع خلقه برحمته‏.‏ قاله ابن كثير‏.‏ ومثله قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏أَوَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمَنُ‏}‏؛ أي‏:‏ ومن رحمانيته‏:‏ لطفه بالطير، وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء‏.‏ ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا‏}‏ فخصهم باسمه الرحيم‏.‏ فإن قيل‏:‏ كيف يمكن الجمع بين ما قررتم، وبين ما جاء في الدعاء المأثور من قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏رحم?ن الدنيا والآخرة ورحيمهما‏"‏‏.‏

‏{‏مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ‏}‏

لم يبينه هنا، وبينه في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا وَالأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ‏}‏‏.‏

والمراد بالدين في الآية الجزاء‏.‏ ومنه قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ يُوَفّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ‏}‏، أي جزاء أعمالهم بالعدل‏.‏

‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ‏}‏

أشار في هذه الآية الكريمة إلى تحقيق معنى لا إل?ه إلا اللَّه؛ لأن معناها مركب من أمرين‏:‏ نفي وإثبات‏.‏ فالنفي‏:‏ خلع جميع المعبودات غير اللَّه تعالى? في جميع أنواع العبادات، والإثبات‏:‏ إفراد ربّ السماوات والأرض وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع‏.‏ وقد أشار إلى النفي من لا إل?ه إلا اللَّه بتقديم المعمول الذي هو ‏{‏إِيَّاكَ‏}‏ وقد تقرر في الأصول، في مبحث دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة‏.‏ وفي المعاني في مبحث القصر‏:‏ أن تقديم المعمول من صيغ الحصر‏.‏ وأشار إلى الإثبات منها بقوله‏:‏ ‏{‏نَعْبُدُ‏}‏‏.‏

وقد بيّن معناها المشار إليه هنا مفصلاً في آيات أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ‏}‏، فصرح بالإثبات منها بقوله‏:‏ ‏{‏اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ‏}‏، وصرح بالنفي منها في آخر الآية الكريمة بقوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ‏}‏، فصرح بالإثبات بقوله‏:‏ ‏{‏أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ‏}‏ وبالنفي بقوله‏:‏ ‏{‏وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ‏}‏، فصرح بالنفي منها بقوله‏:‏ ‏{‏فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ‏}‏، وبالإثبات بقوله‏:‏ ‏{‏وَيُؤْمِن بِاللَّهِ‏}‏؛ وكقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ إِلاَّ الَّذِي فَطَرَنِي‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ‏}‏؛ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

‏{‏وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏ أي لا نطلب العون إلا منك وحدك؛ لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة‏.‏ وإتيانه بقوله‏:‏ ‏{‏وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ‏}‏، بعد قوله‏:‏ ‏{‏إِيَّاكَ نَعْبُدُ‏}‏، فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر‏.‏ وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينًا واضحًا في آيات أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا‏}‏، وإلى غير ذلك من الآيات‏.‏

‏{‏صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏

لم يبين هنا من ه?ؤلاء الذين أنعم عليهم‏.‏ وبين ذلك في موضع آخر بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا‏}‏‏.‏

تنبيهــان

الأول‏:‏ يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصدّيق رضي اللَّه عنه؛ لأنَّه داخل فيمن أمرنا اللَّه في السبع المثاني والقرءان العظيم ــ أعني الفاتحة ــ بأن نسأله أن يهدينا صراطهم‏.‏ فدلّ ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم‏.‏

وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ وقد بيّن الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين‏.‏ وقد بيّن صلى الله عليه وسلم أن أبا بكر رضي الله عنه من الصديقين، فاتضح أنه داخل في الذين أنعم اللَّه عليهم، الذين أمرنا اللَّه أن نسأله الهداية إلى صراطهم فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق رضي اللَّه عنه على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق‏.‏

الثاني‏:‏ قد علمت أن الصديقين من الذين أنعم اللَّه عليهم‏.‏ وقد صرح تعالى? بأن مريم ابنة عمران صدّيقة في قوله‏:‏ ‏{‏وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ‏}‏، وإذن فهل تدخل مريم في قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ‏}‏، أو لا ‏؟‏

الجواب‏:‏ أن دخولها فيهم يتفرع على قاعدة أصولية مختلف فيها معروفة، وهي‏:‏ هل ما في القرءان العظيم والسنة من الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة الذكور تدخل فيه الإناث أو لا يدخلن فيه إلا بدليل منفصل ‏؟‏ فذهب قوم إلى أنهن يدخلن في ذلك، وعليه‏:‏ فمريم داخلة في الآية واحتج أهل هذا القول بأمرين‏:‏

لأول‏:‏ إجماع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجمع‏.‏

والثاني‏:‏ ورود آيات تدل على دخولهن في الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها، كقوله تعالى? في مريم نفسها‏:‏ ‏{‏وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ‏}‏، وقوله في امرأة العزيز‏:‏ ‏{‏يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنبِكِ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ‏}‏، وقوله في بلقيس‏:‏ ‏{‏وَصَدَّهَا مَا كَانَت تَّعْبُدُ مِن دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِن قَوْمٍ كَافِرِينَ‏}‏، وقوله فيما كالجمع المذكر السالم‏:‏ ‏{‏قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً‏}‏؛ فإنه تدخل فيه حواء إجماعًا‏.‏ وذهب كثير إلى أنهن لا يدخلن في ذلك إلا بدليل منفصل‏.‏ واستدلوا على ذلك بآيات كقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا‏}‏، وقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ‏}‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ‏}‏، فعطفهن عليهم يدل على عدم دخولهن‏.‏ وأجابوا عن حجة أهل القول الأول بأن تغليب الذكور على الإناث في الجمع ليس محل نزاع‏.‏ وإنما النزاع في الذي يتبادر من الجمع المذكر ونحوه عند الإطلاق‏.‏ وعقن الآيات بأن دخول الإناث فيها‏.‏ إنما علم من قرينة السياق ودلالة اللفظ، ودخولهن في حالة الاقتران بما يدل على ذلك لا نزاع فيه‏.‏

وعلى هذا القول‏:‏ فمريم غير داخلة في الآية وإلى هذا الخلاف أشار في ‏"‏ مراقي السعود ‏"‏ بقوله‏:‏ ‏(‏الرجز‏)‏ وما شمول من للانثى جنف وفي شبيه المسلمين اختلفوا

وقوله‏:‏ ‏{‏صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ قال جماهير من علماء التفسير‏:‏ ‏{‏المَغضُوبِ عَلَيهِمْ‏}‏، اليهود و ‏"‏ الضالون ‏"‏ النصارى‏.‏ وقد جاء الخبر بذلك عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من حديث عدي بن حاتم رضي اللَّه عنه‏.‏ واليهود والنصارى وإن كانوا ضالين جميعًا مغضوبًا عليهم جميعًا، فإن الغضب إِنما خص به اليهود، وإن شاركهم النصارى فيه، لأنهم يعرفون الحق وينكرونه ويأتون الباطل عمدًا، فكان الغضب أخص صفاتهم‏.‏ والنصارى جهلة لا يعرفون الحق، فكان الضلال أخص صفاتهم‏.‏

وعلى هذا فقد يبين أن ‏{‏المَغضُوبِ عَلَيهِمْ‏}‏ اليهود‏.‏ قوله تعالى? فيهم‏:‏ ‏{‏فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ‏}‏، وقوله فيهم أيضا‏:‏ ‏{‏قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللَّهِ مَن لَّعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ‏}‏؛ وقد يبين أن ‏{‏الضَّالِّينَ‏}‏ النصارى، قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَتَّبِعُواْ أَهْوَاء قَوْمٍ قَدْ ضَلُّواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرًا وَضَلُّواْ عَن سَوَاء السَّبِيلِ‏}‏‏.‏


‏{‏الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏

صرح في هذه الآية بأن هذا القرءان ‏{‏هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ‏}‏، ويفهم من مفهوم الآية ـــ أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب ـــ أن غير المتقين ليس هذا القرءان هدى لهم، وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا‏}‏ وقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا‏}‏‏.‏

ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق إلى دين الحق، لا الهدى العام، الذي هو إيضاح الحق‏.‏

‏{‏وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ‏}‏ عبر في هذه الآية الكريمة ‏"‏بمن‏"‏ التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه اللَّه بعض ماله لا كله‏.‏ ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه‏.‏ ولكنه بيَّن في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه‏:‏ هو الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها، وذلك كقوله‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ‏}‏، والمراد بالعفو‏:‏ الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور‏.‏

ومنه قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏حَتَّى عَفَواْ‏}‏، أي‏:‏ كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ العفو نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

خذي العفو مني تستديمي مودتي ** ولا تنطقي في سورتي حين أغضب

وهذا القول راجح إلى ما ذكرنا، وبقية الأقوال ضعيفة‏.‏

وقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏}‏، فنهاه عن البخل بقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ‏}‏‏.‏ ونهاه عن الإسراف بقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏}‏، فيتعين الوسط بين الأمرين‏.‏ كما بينه بقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا‏}‏ فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد‏.‏ فالجود‏:‏ غير التبذير، والاقتصاد‏:‏ غير البخل‏.‏ فالمنع في محل الإعطاء مذموم‏.‏ وقد نهى اللَّه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏}‏، والإعطاء في محل المنع مذموم أيضًا وقد نهى اللَّه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏

‏{‏وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ‏}‏‏.‏ وقد قال الشاعر‏:‏ لا تمدحن ابن عباد وإن هطلت ** يداه كالمزن حتى تخجل الديما

فإنها فلتات من وساوسه ** يعطي ويمنع لا بخلاً ولا كرما

وقد بين تعالى? في مواضع أخر‏:‏ أن الإنفاق المحمود لا يكون كذلك، إلا إذا كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي اللَّه‏.‏ كقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ‏}‏، وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي اللَّه حسرة على صاحبه في قوله‏:‏ ‏{‏فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً‏}‏، وقد قال الشاعر‏:‏ إن الصنيعة لا تعد صنيعة حتى يصاب بها طريق المصنع

فإن قيل‏:‏ هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية، مع أن اللَّه تعالى? أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏‏.‏

فالظاهر في الجواب ــ واللَّه تعالى? أعلم ــ هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالاً، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعًا‏.‏ وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة‏.‏ كنفقة الزوجات ونحوها فتبرع بالإنفاق في غير واجب وترك الفرض لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وابدأ بمن تعول‏"‏، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك، وإلايثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة وكان واثقًا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال‏.‏

وأما على القول بأن قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ‏}‏ يعني به الزكاة‏.‏ فالأمر واضح، والعلم عند اللَّه تعالى?‏.‏

‏{‏خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏

لا يخفى أن الواو في قوله‏:‏ ‏{‏وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ‏}‏ محتملة في الحرفين أن تكون عاطفة على ما قبلها، وأن تكون استئنافية‏.‏ ولم يبين ذلك هنا، ولكن بين في موضع آخر أن قوله ‏{‏وَعَلَى سَمْعِهِمْ‏}‏ معطوف على قوله ‏{‏عَلَى قُلُوبِهمْ‏}‏، وأن قوله ‏{‏وَعَلَى أَبْصَـارِهِمْ‏}‏ استئناف، والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو ‏{‏غِشَاوَةٌ‏}‏ وسوغ الابتداء بالنكرة فيه اعتمادها على الجار والمجرور قبلها‏.‏ ولذلك يجب تقديم هذا الخبر، لأنه هو الذي سوغ الابتداء بالمبتدأ كما عقده في ‏(‏الخلاصة‏)‏ بقوله‏:‏ ونحو عندي درهم ولي وطر ** ملتزم فيه تقدم الخبر

فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع، وأن الغشاوة على الأبصار‏.‏ وذلك في قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ‏}‏، والختم‏:‏ الاستيثاق من الشىء حتى لا يخرج منه داخل فيه ولا يدخل فيه خارج عنه، والغشاوة‏:‏ الغطاء على العين يمنعها من الرؤية‏.‏ ومنه قول الح?رث بن خالد بن العاص‏:‏

هويتك إذ عيني عليها غشاوة ** فلما انجلت قطعت نفسي ألومها

وعلى قراءة من نصب غشاوة فهي منصوبة بفعل محذوف أي ‏{‏وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً‏}‏، كما في سورة ‏"‏الجاثية‏"‏، وهو كقوله‏:‏ علفتها تبنًا وماءًا باردًا ** حتى شتت همالة عيناها

وقول الآخر‏:‏ ورأيت زوجك في الوغى متقلدًا سيفًا ورمحا

وقول الآخر‏:‏ إذا ما الغانيات برزن يومًا ** وزجّجن الحواجب والعيونا

كما هو معروف في النحو، وأجاز بعضهم كونه معطوفًا على محل المجرور، فإن قيل‏:‏ قد يكون الطبع على الأبصار أيضًا‏.‏ كما في قوله تعالى? في سورة النحل‏:‏ ‏{‏أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ‏}‏‏.‏

فالجواب‏:‏ أن الطبع على الأبصار المذكور في آية النحل‏:‏ هو الغشاوة المذكورة في سورة البقرة والجاثية، والعلم عند اللَّه تعالى?‏.‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُواْ أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاء أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاء وَلَكِن لاَّ يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ‏}‏

وَمِنَ ?لنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِ?للَّهِ وَبِ?لْيَوْمِ ?لأْخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ لم يذكر هنا بيانًا عن هؤلاء المنافقين، وصرح بذكر بعضهم بقوله‏:‏ ‏{‏وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ‏}‏‏.‏

‏{‏اللَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرُوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ‏}‏

?للَّهُ يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ لم يبين هنا شيئًا من استهزائه بهم‏.‏ وذكر بعضه في سورة الحديد في قوله‏:‏ ‏{‏قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا‏}‏‏.‏

‏{‏صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ‏}‏

صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ ظاهر هذه الآية أن المنافقين متصفون بالصمم، والبكم، والعمى‏.‏ ولكنه تعالى? بيّن في موضع آخر أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم، هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، وأبصارهم وذلك في قوله جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون‏}‏‏.‏ وقوله تعالى?‏:‏

‏{‏أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ‏}‏‏.‏

أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ ?لسَّمَآءِ الصيِّب‏:‏ المطر، وقد ضرب اللَّه في هذه الآية مثلاً لما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من الهدى والعلم بالمطر؛ لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام‏.‏

وأشار إلى وجه ضرب هذا المثل بقوله جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ‏}‏‏.‏

وقد أوضح صلى الله عليه وسلم هذا المثل المشار إليه في الآيتين في حديث أبي موسى المتفق عليه، حيث قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن مثل ما بعثني اللَّه به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضًا‏.‏ فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع اللَّه بها الناس فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تُنْبتُ كلأً‏.‏ فذلك مثل من فقه في دين اللَّه ونفعه اللَّه بما بعثني به، فعلم وعلّم ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى اللَّه الذي أرسلت به ‏"‏‏.‏

‏{‏فيه ظلمات‏}‏ ضرب اللَّه تعالى? في هذه الآية الْمثل لما يعتري الكفار والمنافقين من الشبه والشكوك في القرءان، بظلمات المطر المضروب مثلاً للقرءان، وبيّن بعض المواضع التي هي كالظلمة عليهم لأنها تزيدهم عمى في آيات أخر لقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏؛ لأن نسخ القبلة يظن بسببه ضعاف اليقين أن النبي صلى الله عليه وسلم، ليس على يقين من أمره حيث يستقبل يومًا جهة، ويومًا آخر جهة أخرى، كما قال تعالى?‏:‏ ‏{‏سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا‏}‏‏.‏

وصرح تعالى? بأن نسخ القبلة كبير على غير من هداه اللَّه وقوّى يقينه، بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏، وكقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي القُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا‏}‏، لأن ما رآه ليلة الإسراء والمعراج من الغرائب والعجائب كان سببًا لاعتقاد الكفار أنه صلى الله عليه وسلم كاذب؛ لزعمهم أن هذا الذي أخبر به لا يمكن وقوعه‏.‏ فهو سبب لزيادة الضالين ضلالاً‏.‏ وكذلك الشجرة الملعونة في القرءان التي هي شجرة الزقوم‏.‏ فهي سبب أيضًا لزيادة ضلال الضالين منهم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ‏:‏ ‏{‏إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ‏}‏، قالوا‏:‏ ظهر كذبه؛ لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في أصل النار‏؟‏

وكقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ‏}‏‏.‏

قال بعض رجال قريش‏:‏ هذا عدد قليل فنحن قادرون على قتلهم، واحتلال الجنة بالقوة؛ لقلة القائمين على النار التي يزعم محمّد صلى الله عليه وسلم أنّا سندخلها‏.‏

واللَّه تعالى? إنما يفعل ذلك اختبارًا وابتلاءً،

وله الحكمة البالغة في ذلك كله سبحانه وتعالى? عما يقولون علوًّا كبيرًا‏.‏ ‏{‏ورعد‏}‏ ضرب اللَّه المثل بالرعد لما في القرءان من الزواجر التي تقرع الآذان وتزعج القلوب‏.‏ وذكر بعضًا منها في آيات أخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ‏}‏‏.‏

وقد ثبت في صحيح البخاري في تفسير سورة الطور من حديث جبير بن مطعم رضي اللَّه عنه أنه قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقرأ في المغرب بالطور‏.‏ فلما بلغ هذه الآية ‏{‏أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ‏}‏ ــ إلى قوله ــ ‏{‏الْمُصَيْطِرُونَ‏}‏، كاد قلبي أن يطير‏.‏ إلى غير ذلك من قوارع القرءان وزواجره، التي خوفت المنافقين حتى قال اللَّه تعالى? فيهم‏:‏ ‏{‏مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ‏}‏، والآية التي نحن بصددها، وإن كانت في المنافقين‏.‏ فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب‏.‏ ‏{‏وَبَرْقٌ‏}‏ ضرب تعالى? المثل بالبرق؛ لما في القرءان من نور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة‏.‏

وقد صرح بأن القرءان نور يكشف اللَّه به ظلمات الجهل والشك والشرك‏.‏ كما تكشف بالنور الحسي ظلمات الدجى كقوله‏:‏ ‏{‏وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏واللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ‏}‏، قال بعض العلماء‏:‏ ‏{‏مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ‏}‏‏:‏ أي مهلكهم، ويشهد لهذا القول قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ‏}‏، أي تهلكوا عن آخركم‏.‏ وقيل‏:‏ تغلبوا‏.‏ والمعنى متقارب؛ لأن الهالك لا يهلك حتى يحاط به من جميع الجوانب، ولم يبق له منفذ للسلامة ينفذ منه‏.‏ وكذلك المغلوب، ومنه قول الشاعر‏:‏ أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا بما قد رأوا مالوا جميعًا إلى السلم ومنه أيضًا‏:‏ بمعنى الهلاك‏.‏ قوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وأُحِيطَ بِهِمْ‏}‏‏.‏ وقوله تعالى?‏:‏ ‏{‏وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ‏}‏‏.‏


.‏ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَـارَهُمْ أي يكاد نور القرءان لشدة ضوئه يعمي بصائرهم، كما أن البرق الخاطف الشديد النور يكاد يخطف بصر ناظره، ولا سيما إذا كان البصر ضعيفًا؛ لأن البصر كلما كان أضعف كان النور أشد إذهابًا له‏.‏ كما قال الشاعر‏:‏ مثل النهار يزيد أبصار الورى نورًا ويعمي أعين الخفاش

وقال الآخر‏:‏ خفافيش أعماها النهار بضوئه ووافقها قطع من الليل مظلم

وبصائر الكفار والمنافقين في غاية الضعف‏.‏ فشدة ضوء النور تزيدها عمى‏.‏ وقد صرح تعالى بهذا العمى في قوله‏:‏ ‏{‏أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ يكاد البرق يخطف أبصارهم أي‏:‏ يكاد محكم القرءان يدل على عورات المنافقين‏.‏ ‏{‏كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ‏}‏ ضرب الله في هذه الآية المثل للمنافقين بأصحاب هذا المطر إذا أضاء لهم مشوا في ضوئه وإذا أظلم وقفوا كما أن المنافقين إذا كان القرءان موافقًا لهواهم ورغبتهم عملوا به، كمناكحتهم للمسلمين وإرثهم لهم‏.‏ والقسم لهم من غنائم المسلمين، وعصمتهم به من القتل مع كفرهم في الباطن، وإذا كان غير موافق لهواهم‏.‏ كبذل الأنفس والأموال في الجهاد في سبيل الله المأمور به فيه وقفوا وتأخروا‏.‏ وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ‏}‏‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ‏}‏ أي‏:‏ إذا أنعم الله عليهم بالمال والعافية قالوا‏:‏ هذا الدين حق ما أصابنا منذ تمسكنا به إلا الخير ‏{‏وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ‏}‏ أي‏:‏ وإن أصابهم فقر أو مرض أو ولدت لهم البنات دون الذكور‏.‏ قالوا‏:‏ ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذا الدين وارتدوا عنه‏.‏ وهذا الوجه يدل له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ‏}‏‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ إضاءته لهم معرفتهم بعض الحق منه وإظلامه عليهم ما يعرض لهم من الشك فيه‏.‏

‏{‏يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏ أشار في هذه الآية إلى ثلاثة براهين من براهين البعث بعد الموت وبيَّنها مفصلة في آيات أخر‏.‏

الأول‏:‏ خلق الناس أولاً المشار إليه بقوله

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ‏}‏

اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِىْ خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لأن الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني، وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏أَوْ خَلْقًا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَن يَكُونَ قَرِيبًا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلا تَذكَّرُونَ‏}‏‏.‏

ولذا ذكر تعالى أن من أنكر البعث فقد نسي الإيجاد الأول، كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُ الإِنسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا أَوَلا يَذْكُرُ الإِنسَانُ‏}‏

الدليل بقوله‏:‏ ‏{‏فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

البرهان الثاني‏:‏ خلق السماوات والأرض المشار إليه بقوله

‏:‏ ‏{‏الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏

الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الاٌّرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَآءَ بِنَآءً لأنهما من أعظم المخلوقات، ومن قدر على خلق الأعظم فهو على غيره قادر من باب أحرى‏.‏ وأوضح اللَّه تعالى هذا البرهان في آيات كثيرة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَأَنتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاء بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

البرهان الثالث‏:‏ إحياء الأرض بعد موتها؛ فإنه من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت، كما أشار له هنا بقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ وأوضحه في آيات كثيرة كقوله‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ‏}‏، يعني‏:‏ خروجكم من قبوركم أحياء بعد أن كنتم عظامًا رميمًا‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

‏{‏وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ‏}‏

وَإِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىا عَبْدِنَا لم يصرح هنا باسم هذا العبد الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، وصرح باسمه في موضع آخر وهو قوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ‏}‏، صلوات اللَّه وسلامه عليه‏.‏

‏{‏فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ‏}‏

فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِى وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ هذه الحجارة قال كثير من العلماء‏:‏ إنها حجارة من كبريت‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ إنها الأصنام التي كانوا يعبدونها‏.‏ وهذا القول يبيّنه ويشهد له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُواْ بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ‏}‏

وَبَشِّرِ الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّـاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَـارُ لم يبيّن هنا أنواع هذه الأنهار، ولكنه بيّن ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ‏}‏‏.‏

‏{‏وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ‏}‏ لم يبيّن هنا صفات تلك الأزواج، ولكنه بين صفاتهن الجميلة في آيات أخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات المبيّنة لجميل صفاتهن، والأزواج‏:‏ جمع زوج بلا هاء في اللغة الفصحى، والزوجه بالهاء لغة، لا لحن كما زعمه البعض‏.‏

وفي حديث أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ إنها زوجتي ‏"‏ أخرجه مسلم‏.‏

ومن شواهده قول الفرزدق‏:‏ وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ** كساع إلى أسد الشرى يستبيلها

وقول الآخر‏:‏ فبكى بناتي شجوهن وزوجتي والظاعنون إليّ ثم تصدعوا

‏{‏الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ‏}‏

؛ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ لم يبيّن هنا هذا الذي أمر به أن يوصل، وقد أشار إلى أن منه الأرحام بقوله‏:‏ ‏{‏فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ‏}‏‏.‏

وأشار في موضع آخر إلى أن منه الإيمان بجميع الرسل، فلا يجوز قطع بعضهم عن بعض في ذلك بأن يؤمن ببعضهم دون بعضهم الآخر‏.‏ وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا‏}‏‏.‏

‏{‏هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏

؛ هُوَ الَّذِى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الاٌّرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَىا إِلَى السَّمَآءِ ظاهره‏:‏ أن ما في الأرض جميعًا خلق بالفعل قبل السماء، ولكنه بين في موضع آخر أن المراد بخلقه قبل السماء، تقديره، والعرب تسمي التقدير خلقًا كقول زهير‏:‏ فولأنت تفرى ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري

وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا‏}‏، ثم قال‏:‏ ‏{‏ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ‏}‏‏.‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏

وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَـائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةً الآية في قوله‏:‏ ‏{‏خليفة‏}‏ وجهان من التفسير للعلماء‏:‏

أحدهما‏:‏ أن المراد بالخليفة أبونا ءادم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأنه خليفة اللَّه في أرضه في تنفيذ أوامره‏.‏ وقيل‏:‏ لأنه صار خلفًا من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبله، وعليه فالخليفة‏:‏ فعيلة بمعنى فاعل‏.‏ وقيل‏:‏ لأنه إذا مات يخلفه من بعده، وعليه فهو من فعيلة بمعنى مفعول‏.‏ وكون الخليفة هو ءادم هو الظاهر المتبادر من سياق الآية‏.‏

الثاني‏:‏ أن قوله‏:‏ ‏{‏خليفة‏}‏ مفرد أريد به الجمع، أي خلائف، وهو اختيار ابن كثير‏.‏ والمفرد إن كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مرادًا به الجمع كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ‏}‏؛ يعني وأنهار بدليل قوله‏:‏ ‏{‏فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاء غَيْرِ آسِنٍ‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا‏}‏؛ ونظيره من كلام العرب قول عقيل بن عُلَّفَة المري‏:‏

وكان بنو فزارة شرعم ** وكنت لهم كشر بني الأخينا

وقول العباس بن مرداس السلمي‏:‏ فقلنا اسلموا إنا أخوكم ** وقد سلمت من الإحن الصدور

وأنشد له سيبويه قول علقمة بن عبدة التميمي‏:‏ بها جيف الحسرى فأما عظامها فبيض وأما جلدها فصليب

وقول الآخر‏:‏ كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص

وإذا كانت هذه الآية الكريمة تحتمل الوجهين المذكورين‏.‏ فاعلم أنه قد دلت آيات أخر على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالخليفة‏:‏ الخلائف من ءادم وبنيه لا ءادم نفسه وحده‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ‏}‏‏.‏

ومعلوم أن ءادم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس ممن يفسد فيها، ولا ممن يسفك الدماء‏.‏ وكقوله‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ويجعلكم خلائف‏}‏‏.‏ ونحو ذلك من الآيات‏.‏

ويمكن الجواب عن هذا بأن المراد بالخليفة ءادم، وأن اللَّه أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء‏.‏ فقالوا ما قالوا، وأن المراد بخلافة ءادم الخلافة الشرعية، وبخلافة ذريته أعم من ذلك، وهو أنهم يذهب منهم قرن ويخلفه قرن آخر‏.‏

تنبيــه

قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة‏:‏ هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة؛ يسمع له ويطاع؛ لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم إلى أن قال‏:‏ ودليلنا قول اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً‏}‏‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَآبٍ يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ‏}‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءامَنُواْ مِنْكُمْ وَعَمِلُواْ الصَّـالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الاْرْضِ‏}‏‏.‏ أي‏:‏ يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي‏.‏

وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين، حتى قالت الأنصار‏:‏ منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك وقالوا لهم‏:‏ إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش‏.‏ فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها‏.‏ ولقال قائل‏:‏ إنها غير واجبة لا في قريش ولا في غيرهم‏.‏ فما لتنازعكم وجه، ولا فائدة في أمر ليس بواجب، ثم إن الصديق رضي اللَّه عنه لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد هذا أمر غير واجب علينا ولا عليك‏.‏ فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد للَّه رب العالمين‏.‏ انتهى من القرطبي‏.‏ قال مقيدة عفا اللَّه عنه‏:‏ من الواضح المعلوم من ضرورة الدين أن المسلمين يجب عليهم نصب إمام تجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام اللَّه في أرضه‏.‏ ولم يخالف في هذا إلا من لا يعتد به كأبي بكر الأصم المعتزلي، الذي تقدم في كلام القرطبي، وكضرار، وهشام القوطي ونحوهم‏.‏

كما وقع من أبي بكر لعمر رضي اللَّه عنهما‏.‏

ومن هذا القبيل، جعل عمر رضي اللَّه عنه الخلافة شورى بين ستة من أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم مات وهو عنهم راض‏.‏

الرابع‏:‏ أن يتغلب على الناس بسيفه وينزع الخلافة بالقوة حتى يستتب له الأمر وتدين له الناس لما في الخروج عليه حينئذ من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم‏.‏

قال بعض العلماء‏:‏ ومن هذا القبيل قيام عبد الملك بن مروان على عبد اللَّه بن الزبير وقتله إياه في مكة على يد الحجاج بن يوسف فاستتب الأمر له‏.‏ كما قاله ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏‏.‏

ومن العلماء من يقول‏:‏ تنعقد له الإمامة ببيعة واحد، وجعلوا منه مبايعة عمر لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ومال إليه القرطبي‏.‏ وحكى عليه إمام الحرمين الإجماع وقيل‏:‏ ببيعة أربعة‏.‏ وقيل غير ذلك‏.‏

هذا ملخص كلام العلماء فيما تنعقد به الإِمامة الكبرى‏.‏ ومقتضى كلام الشيخ تقي الدين أبي العباس ابن تيمية في ‏"‏ المنهاج ‏"‏ أنها إنما تنعقد بمبايعة من تقوى به شوكته، ويقدر به

على تنفيذ أحكام الإِمامة؛ لأن من لا قدرة له على ذلك كآحاد الناس ليس بإِمام‏.‏

واعلم أن الإمام الأعظم تشترط فيه شروط‏:‏

الأول‏:‏ أن يكون قرشيًّا وقريش أولاد فهر بن مالك‏.‏ وقيل‏:‏ أولاد النضر بن كنانة‏.‏ فالفهري قرشي بلا نزاع‏.‏ ومن كان من أولاد مالك بن النضر أو أولاد النضر بن كنانة فيه خلاف‏.‏ هل هو قرشي أو لا ‏؟‏ وما كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع‏.‏

قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة في ذكر شرائط الإمام‏.‏ الأول‏:‏ أن يكون من صميم قريش لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏الأئمة من قريش‏"‏ وقد اختلف في هذا‏.‏

قال مقيّده عفا اللَّه عنه‏:‏ الاختلاف الذي ذكره القرطبي في اشتراط كون الإمام الأعظم قرشيًا ضعيف‏.‏ وقد دلت الأحاديث الصحيحة على تقديم قريش في الإمامة على غيرهم‏.‏ وأطبق عليه جماهير العلماء من المسلمين‏.‏

وحكى غير واحد عليه الإجماع ودعوى الإجماع تحتاج إلى تأويل ما أخرجه الإمام أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال‏:‏ ‏"‏إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حيّ استخلفته‏"‏‏.‏ فذكر الحديث وفيه‏:‏ ‏"‏فإن أدركني أجلى وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل‏"‏‏.‏

ومعلوم أن معاذًا غير قرشي وتأويله بدعوى انعقاد الإجماع بعد عمر أو تغيير رأيه إلى موافقة الجمهور‏.‏ فاشتراط كونه قرشيًا هو الحق، ولكن النصوص الشرعية دلت على أن ذلك التقديم الواجب لهم في الإمامة مشروط بإقامتهم الدين وإطاعتهم للَّه ورسوله، فإن خالفوا أمر اللَّه فغيرهم ممن يطيع اللَّه تعالى وينفذ أوامره أولى منهم‏.‏

فمن الأدلة الدالة على ذلك ما رواه البخاري في ‏(‏صحيحه‏)‏، عن معاوية حيث قال‏:‏ باب الأمراء من قريش‏.‏ حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال‏:‏ كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش‏:‏ أن عبد اللَّه بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك قحطان فغضب، فقام فأثنى على اللَّه بما هو أهله، ثم قال‏:‏ أما بعد‏:‏ فإنه قد بلغني أن رجالاً منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب اللَّه، ولا تؤثر عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها‏.‏ فإني سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه اللَّه على وجهه ما أقاموا الدين‏"‏‏.‏ انتهى من ‏"‏صحيح البخاري‏"‏ بلفظه‏.‏

ومحل الشاهد منه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ما أقاموا الدين‏"‏ لأن لفظة ‏"‏ما‏"‏ فيه مصدرية ظرفية مقيدة لقوله‏:‏ ‏"‏إن هذا الأمر في قريش‏"‏؛ وتقرير المعنى إن هذا الأمر في قريش مدة إقامتهم الدين، ومفهومه‏:‏ أنهم إن لم يقيموه لم يكن فيهم‏.‏ وهذا هو التحقيق الذي لا شك فيه في معنى الحديث‏.‏

وقال ابن حجر في ‏"‏فتح الباري‏"‏ في الكلام على حديث معاوية هذا، ما نصه‏:‏ وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق رضي اللَّه عنه نظير ما وقع في حديث معاوية، ذكره محمد بن إسحاق في الكتاب الكبير ‏.‏ فذكر قصة سقيفة بني ساعدة، وبيعة أبي بكر وفيها‏:‏ فقال أبو بكر‏:‏ وإن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا اللَّه واستقاموا على أمره ‏.‏ وقد جاءت الأحاديث التي أشرت إليها على ثلاثة أنحاء‏:‏

الأول‏:‏ وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به‏.‏ كما في الأحاديث التي ذكرتها في الباب الذي قبله حيث قال‏:‏ ‏"‏الأمراء من قريش ما فعلوا ثلاثًا‏:‏ ما حكموا فعدلوا‏"‏، الحديث وفيه‏:‏ ‏"‏فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة اللَّه‏"‏ ‏.‏

وليس في هذا ما يقتضي خروج الأمر عنهم ‏.‏

الثاني‏:‏ وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذيتهم ‏.‏ فعند أحمد وأبي يعلى من حديث ابن مسعود رفعه‏:‏ ‏"‏إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا، فإذا غيرتم بعث اللَّه عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب‏"‏‏.‏ ورجاله ثقات إلا أنه من رواية عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة بن مسعود عن عم أبيه عبد اللَّه بن مسعود ولم يدركه، هذه رواية صالح بن كيسان عن عبيد اللَّه، وخالفه حبيب بن أبي ثابت فرواه عن القاسم بن محمد بن عبد الرحمان عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن أبي مسعود الأنصاري ولفظه‏:‏ ‏"‏لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته‏"‏ الحديث ‏.‏

وفي سماع عبيد اللَّه من أبي مسعود نظر مبني على الخلاف في سنة وفاته وله شاهد من مرسل عطاء بن يسار، أخرجه الشافعي والبيهقي من طريقه بسند صحيح إلى عطاء، ولفظه‏:‏ قال لقريش‏:‏ ‏"‏ أنتم أولى بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة ‏"‏ وليس في هذا تصريح بخروج الأمر عنهم، وإن كان فيه إشعار به ‏.‏

الثالث‏:‏ الإذن في القيام عليهم وقتالهم، والإيذان بخروج الأمر عنهم كما أخرجه الطيالسي والطبراني من حديث ثوبان رفعه‏:‏ ‏"‏استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء‏"‏ ‏.‏ ورجاله تقات، إلا أن فيه انقطاعًا؛ لأن روايه سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان وله شاهد في الطبراني من حديث النعمان بن بشير بمعناه‏.‏

وأخرج أحمد من حديث ذي مِخْبَر بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة بعدهما راء، وهو ابن أخي النجاشي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏كان هذا الأمر في حمير فنزعه اللَّه منهم وصيره في قريش وسيعود لهم‏"‏ وسنده جيد، وهو شاهد قوي لحديث القحطاني فإن حمير يرجع نسبها إلى قحطان، وبه يقوى أن مفهوم حديث معاوية‏:‏ ‏"‏ما أقاموا الدين‏"‏ أنهم إذا لم يقيموا الدين خرج الأمر عنهم ‏.‏ انتهى‏.‏


واعلم أن قول عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، الذي أنكره عليه معاوية في الحديث المذكور، إنه سيكون ملك من قطحان إذا كان عبد اللَّه بن عمرو رضي اللَّه عنهما يعني به القحطاني الذي صحت الرواية بملكه، فلا وجه لإنكاره لثبوت أمره في الصحيح، من حديث أبي هريرة أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه‏"‏ ‏.‏ أخرجه البخاري في ‏"‏كتاب الفتن‏"‏ في ‏"‏باب تغير الزمان حتى يعبدوا الأوثان‏"‏، وفي ‏"‏كتاب المناقب‏"‏ في ‏"‏باب ذكر قحطان‏"‏ ‏.‏ وأخرجه مسلم في ‏"‏كتاب الفتن وأشراط الساعة‏"‏ في ‏"‏باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء‏"‏ وهذا القحطاني لم يعرف اسمه عند الأكثرين ‏.‏ وقال بعض العلماء اسمه جهجاه ‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ اسمه شعيب بن صالح ‏.‏ وقال ابن حجر في الكلام على حديث القطحاني هذا ما نصه‏:‏ وقد تقدم في الحج أن البيت يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج‏:‏ وتقدم الجمع بينه وبين حديث‏:‏ ‏"‏لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت ‏.‏ وأن الكعبة يخربها ذو السويقتين من الحبشة‏"‏ فينتظم من ذلك أن الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني فأهلكهم، وأن المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، وأن الريح التي تقبض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى ويتأخر أهل اليمن بعدها ‏.‏

ويمكن أن يكون هذا مما يفسر به قوله‏:‏ ‏"‏الإيمانُ يمانٍ‏"‏ أي‏:‏ يتأخر الإيمان بها بعد فقده من جميع الأرض ‏.‏ وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا‏.‏ انتهى منه بلفظه واللَّه أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم ‏.‏

الثاني‏:‏ من شروط الإمام الأعظم‏:‏ كونه ذكرًا ولا خلاف في ذلك بين العلماء، ويدل له ما ثبت في ‏"‏صحيح البخاري‏"‏ وغيره من حديث أبي بكر رضي اللَّه عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بلغه أن فارسًا ملّكوا ابنة كسرى قال‏:‏ ‏"‏لَنْ يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة‏"‏ ‏.‏ الثالث‏:‏ من شروط الإمام الأعظم كونه حرًّا ‏.‏ فلا يجوز أن يكون عبدًا، ولا خلاف في هذا بين العلماء ‏.‏

فإن قيل‏:‏ ورد في الصحيح ما يدل على جواز إمامة العبد ‏.‏ فقد أخرج البخاري في ‏(‏صحيحه‏)‏ من حديث أنس بن مالك رضي اللَّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ‏"‏ ‏.‏

ولمسلم من حديث أم الحصين‏:‏ اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب اللَّه ‏.‏

ولمسلم أيضًا من حديث أبي ذر رضي اللَّه عنه أوصاني خليلي أن أطيع وأسمع، وإن كان عبدًا حبشيًا مجدع الأطراف ‏.‏ فالجواب من أوجه‏:‏

الأول‏:‏ أنه قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود؛ فإطلاق العبد الحبشي لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يتصور شرعًا أن يلي ذلك، ذكر ابن حجر هذا الجواب عن الخطابي، ويشبه هذا الوجه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ إِن كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ‏}‏ على أحد التفسيرات ‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مؤمرًا من جهة الإمام الأعظم على بعض البلاد وهو أظهرها، فليس هو الإمام الأعظم ‏.‏ الوجه الثالث‏:‏ أن يكون أطلق عليه اسم العبد؛ نظرًا لاتصافه بذلك سابقًا مع أنه وقت التولية حر، ونظيره إطلاق اليتم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقًا في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ‏}‏، وهذا كله فيما يكون بطريق الاختيار ‏.‏ أما لو تغلب عبد حقيقة بالقوة فإن طاعته تجب؛ إخمادًا للفتنة وصونًا للدماء ما لم يأمر بمعصية كما تقدمت الإشارة إليه ‏.‏

والمراد بالزبيبة في هذا الحديث، واحدة الزبيب المأكول المعروف، الكائن من العنب إذا جف، والمقصود من التشبيه‏:‏ التحقير وتقبيح الصورة؛ لأن السمع والطاعة إذا وجبا لمن كان كذلك دل ذلك على الوجوب على كل حال إلا في المعصية كما يأتي ويشبه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ كأنه زبيبة ‏"‏ ‏.‏ قول الشاعر يهجو شخصًا أسود‏:‏ دنس الثياب كأن فروة رأسه غرست فأنبت جانباها فلفلا

الرابع‏:‏ من شروطه أن يكون بالغًا ‏.‏ فلا تجوز إمامة الصبي إجماعًا لعدم قدرته على القيام بأعباء الخلافة ‏.‏

الخامس‏:‏ أن يكون عاقلاً فلا تجوز إمامة المجنون ولا المعتوه، وهذا لا نزاع فيه ‏.‏

السادس‏:‏ أن يكون عدلاً فلا تجوز إمامة فاسق، واستدل عليه بعض العلماء بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ‏}‏، ويدخل في اشتراط العدالة اشتراط الإسلام؛ لأن العدل لا يكون غير مسلم ‏.‏

السابع‏:‏ أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيًا من قضاة المسلمين، مجتهدًا يمكنه الاستغناء عن استفتاء غيره في الحوادث ‏.‏

الثامن‏:‏ أن يكون سليم الأعضاء غير زمن ولا أعمى ونحو ذلك، ويدل لهذين الشرطين الأخيرين، أعني‏:‏ العلم وسلامة الجسم قوله تعالى في طالوت‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏ ‏.‏

التاسع‏:‏ أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب، وتدبير الجيوش، وسد الثغور، وحماية بيضة المسلمين، وردع الأمة، والانتقام من الظالم، والأخذ للمظلوم ‏.‏ كما قال لقيط الإيادي‏:‏ وقلدوا أمركم للَّه دركم رحب الذراع بأمر الحرب مطلعا

العاشر‏:‏ أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود، ولا فزع من ضرب الرقاب، ولا قطع الأعضاء، ويدل ذلك إجماع الصحابة رضي اللَّه عنهم على أن الإمام لا بد أن يكون كذلك ‏.‏ قاله القرطبي ‏.‏

مسـائــل‏:‏

الأولى‏:‏ إذا طرأ على الإمام الأعظم فسق أو دعوة إلى بدعة ‏.‏ هل يكون ذلك سببًا لعزله والقيام عليه أو لا ‏؟‏

قال بعض العلماء‏:‏ إذا صار فاسقًا أو داعيًا إلى بدعة جاز القيام عليه لخلعه، والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز القيام عليه لخلعه إلا إذا ارتكب كفرًا بوّاحًا عليه من اللَّه برهان ‏.‏

فقد أخرج الشيخان في ‏"‏صحيحيهما‏"‏، عن عبادة بن الصامت رضي اللَّه عنه قال‏:‏ بايعنا رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله ‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من اللَّه برهان‏"‏ ‏.‏

وفي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏، من حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي اللَّه عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلّون عليهم ويصلّون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم ‏"‏ قالوا‏:‏ قلنا يا رسول اللَّه أفلا ننابذهم عند ذلك‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏لا ما أقاموا فيكم الصلاة، لا ما أقاموا فيكم الصلاة، إلاّ من ولي عليه والٍ فرآه يأتي شيئًا من معصية اللَّه فليكره ما يأتي من معصية اللَّه، ولا ينزعن يدًا من طاعة‏"‏ ‏.‏

وفي ‏"‏صحيح مسلم‏"‏، أيضًا‏:‏ من حديث أم سلمة رضي اللَّه عنها أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن عرف بريء، ومن أنكر سلم، ولكن من رضى وتابع‏"‏ ‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول اللَّه أفلا نقاتلهم ‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏ لا ما صلّوا ‏"‏ ‏.‏

وأخرج الشيخان في ‏"‏ صحيحيهما ‏"‏ من حديث ابن عباس رضي اللَّه عنهما قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر؛ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرًا فيموت، إلا مات ميتة جاهلية ‏"‏ ‏.‏

وأخرج مسلم في ‏"‏ صحيحه ‏"‏، من حديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما أنه سمع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقول‏:‏ ‏"‏ من خلع يدًا من طاعة لقي اللَّه يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ‏"‏، والأحاديث في هذا كثيرة ‏.‏

فهذه النصوص تدل على منع القيام عليه، ولو كان مرتكبًا لما لا يجوز،

إلا إذا ارتكب الكفر الصريح الذي قام البرهان الشرعي من كتاب اللَّه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، أنه كفر بواح، أي‏:‏ ظاهر باد لا لبس فيه ‏.‏

وقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول‏:‏ بخلق القرءان وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة، ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك ‏.‏ ودام الأمر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل الخلافة، فأبطل المحنة، وأمر بإظهار السنّة ‏.‏

واعلم أنه أجمع جميع المسلمين على أنه لا طاعة لإمام ولا غيره في معصية اللَّه تعالى ‏.‏ وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا لبس فيها ولا مطعن، كحديث ابن عمر رضي اللَّه عنهما أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏ ‏"‏ السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ‏"‏ أخرجه الشيخان وأبو داود ‏.‏

وعن علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النار‏:‏ ‏"‏ لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا؛ إنما الطاعة في المعروف ‏"‏ ‏.‏ وفي الكتاب العزيز‏:‏ ‏{‏وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ‏}‏ ‏.‏

المسألة الثانية‏:‏ هل يجوز نصب خليفتين كلاهما مستقل دون الآخر‏؟‏ ‏.‏ في ذلك ثلاثة أقوال‏:‏

الأول‏:‏ قول الكرامية بجواز ذلك مطلقًا محتجين بأن عليًّا ومعاوية كانا إمامين واجبي الطاعة كلاهما على من معه، وبأن ذلك يؤدي إلى كون كل واحد منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه ‏.‏

وبأنه لما جاز بعث نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى ‏.‏ القول الثاني‏:‏ قول جماهير العلماء من المسلمين‏:‏ أنه لا يجوز تعدد الإمام الأعظم، بل يجب كونه واحدًا، وأن لا يتولى على قطر من الأقطار إلا أمراؤه المولون من قبله، محتجين بما أخرجه مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏ من حديث أبي سعيد الخدري رضي اللَّه عنه قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما‏"‏ ‏.‏

ولمسلم أيضًا‏:‏ من حديث عرفجة رضي اللَّه عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه‏"‏ ‏.‏

وفي رواية‏:‏ ‏"‏فاضربوه بالسيف كائنًا من كان‏"‏ ‏.‏

ولمسلم أيضًا من حديث عبد اللَّه بن عمرو بن العاص رضي اللَّه عنهما‏:‏ ‏"‏ ومن بايع إمامًا فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر ‏"‏، ثم قال‏:‏ سمعته أذناي من رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ووعاه قلبي ‏.‏

وأبطلوا احتجاج الكرامية بأن معاوية أيام نزاعه مع عليّ لم يدع الإمامة لنفسه، وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة، ويدل لذلك‏:‏

إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما فقط لا كل منهما ‏.‏

وأن الاستدلال بكون كل منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه، وبجواز بعث نبيين في وقت واحد، يرده قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏فاقتلوا الآخر منهما‏"‏؛ ولأن نصب خليفتين يؤدي إلى الشقاق وحدوث الفتن ‏.‏

القول الثالث‏:‏ التفصيل فيمنع نصب إمامين في البلد الواحد والبلاد المتقاربة، ويجوز في الأقطار المتنائية كالأندلس وخراسان ‏.‏ قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه‏:‏ لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان، جاز ذلك على ما يأتي بيانه إن شاء اللَّه تعالى ‏.‏ انتهى منه بلفظه ‏.‏

والمشار إليه في كلامه‏:‏ نصب خليفتين، وممن قال بجواز ذلك‏:‏

الأستاذ أبو إسحاق كما نقله عنه إمام الحرمين ‏.‏ ونقله عنه ابن كثير والقرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ‏.‏

وقال ابن كثير‏:‏ قلت‏:‏ وهذا يشبه حال الخلفاء‏:‏ بني العباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب ‏.‏

المسألة الثالثة‏:‏ هل للإمام أن يعزل نفسه ‏؟‏ ‏.‏

قال بعض العلماء‏:‏ له ذلك ‏.‏ قال القرطبي‏:‏ والدليل على أن له عزل نفسه قول أبي بكر الصدّيق رضي اللَّه عنه‏:‏ أقيلوني أقيلوني، وقول الصحابة رضي اللَّه عنهم‏:‏ لا نقيلك ولا نستقيلك ‏.‏ قدمك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لديننا فمن ذا يؤخرك ‏؟‏ رضيك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لديننا أفلا نرضاك ‏؟‏ ‏.‏

قال‏:‏ فلو لم يكن له ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه ‏.‏ ولقالت له ليس لك أن تقول هذا ‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ ليس له عزل نفسه؛ لأنه تقلد حقوق المسلمين فليس له التخلي عنها ‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه إن كان عزله لنفسه لموجب يقتضي ذلك كإخماد فتنة كانت ستشتعل لو لم يعزل نفسه، أو لعلمه من نفسه العجز عن القيام بأعباء الخلافة، فلا نزاع في جواز عزل نفسه ‏.‏ ولذا أجمع جميع المسلمين على الثناء على سبط رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، الحسن بن عليّ رضي اللَّه عنهما، بعزل نفسه وتسليمه الأمر إلى معاوية، بعد أن بايعه أهل العراق؛ حقنًا لدماء المسلمين وأثنى عليه بذلك قبل وقوعه، جده رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بقوله‏:‏ ‏"‏ إن ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين ‏"‏ ‏.‏ أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي بكر رضي اللَّه عنه ‏.‏

المسألة الرابعة‏:‏ هل يجب الإشهاد على عقد الإمامة ‏؟‏ ‏.‏

قال بعض العلماء‏:‏ لا يجب؛ لأن إيجاب الإشهاد يحتاج إلى دليل من النقل ‏.‏ وهذا لا دليل عليه منه ‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ يجب الإشهاد عليه؛ لئلا يدعي مدع أن الإمامة عقدت له سرًّا، فيؤدي ذلك إلى الشقاق والفتنة ‏.‏

والذين قالوا بوجوب الإشهاد على عقد الإمامة، قالوا‏:‏ يكفي شاهدان خلافًا للجبائي في اشتراطه أربعة شهود وعاقدًا ومعقودًا له، مستنبطًا ذلك من ترك عمر الأمر شورى بين ستة فوقع الأمر على عاقد، وهو عبد الرحمان بن عوف ومعقود له، وهو عثمان وبقي الأربعة الآخرون شهودًا، ولا يخفى ضعف هذا الاستنباط كما نبه عليه القرطبي وابن كثير والعلم عند اللَّه تعالى

‏{‏وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ قَالُواْ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ‏}‏

ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَـائِكَةِ يعني مسميات الأسماء لا الأسماء كما يتوهم من ظاهر الآية ‏.‏

وقد أشار إلى أنها المسميات بقوله‏:‏ ‏{‏أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء‏}‏ الآية، كما هو ظاهر ‏.‏

‏{‏وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ‏}‏ لم يبيّن هنا هذا الذي كانوا يكتمون، وقد قال بعض العلماء‏:‏ هو ما كان يضمره إبليس من الكبر، وعلى هذا القول فقد بيّنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُواْ لآدَمَ‏}‏ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَـائِكَةِ اسْجُدُواْ لاًّدَمَ لم يبيّن هنا هل قال لهم ذلك قبل خلق ءَادم أو بعد خلقه ‏؟‏ وقد صرح في سورة ‏"‏الحجر‏"‏ و ‏"‏صا‏"‏ بأنه قال لهم ذلك قبل خلق ءَادم ‏.‏ فقال في ‏"‏الحجر‏"‏‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ‏}‏، وقال في سورة ‏"‏صا‏"‏‏:‏ ‏{‏إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ‏}‏ لم يبيّن هنا موجب استكباره في زعمه، ولكنه بيّنه في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قَالَ لَمْ أَكُن لِّأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ‏}‏ ‏.‏

تنبيــه

مثل قياس إبليس نفسه على عنصره، الذي هو النار وقياسه ءادم على عنصره، الذي هو الطين واستنتاجه من ذلك أنه خير من ءادم ‏.‏ ولا ينبغي أن يؤمر بالسجود لمن هو خير منه، مع وجود النص الصريح الذي هو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اسجدوا لآدم‏}‏ يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار ‏.‏ وإليه الإشارة بقول صاحب ‏"‏مراقي السعود ‏"‏‏:‏‏)‏ والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعى فكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسلفه في ذلك إبليس وقياس إبليس هذا لعنه اللَّه باطل من ثلاثة أوجه‏:‏

الأول‏:‏ أنه فاسد الاعتبار؛ لمخالفة النص الصريح كما تقدم قريبًا ‏.‏

الثاني‏:‏ أنا لا نسلم أن النار خير من الطين، بل الطين خير من النار؛ لأن طبيعتها الخفة والطيش والإفساد والتفريق، وطبيعته الرزانة والإصلاح فتودعه الحبة فيعطيكها سنبلة والنواة فيعطيكها نخلة ‏.‏

وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض الناضرة، وما فيها من الثمار اللذيذة، والأزهار الجميلة، والروائح الطيبة ‏.‏ تعلم أن الطين خير من النار ‏.‏

الثالث‏:‏ أنّا لو سلمنا تسليمًا جدليًّا أن النار خير من الطين، فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من ءادم؛ لأن شرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع، بل قد يكون الأصل رفيعًا الفرع وضيعًا، كما قال الشاعر‏:‏ إذا افتخرت بآباء لهم شرف قلنا صدقت ولكن بئس ما ولدوا

وقال الآخر‏:‏ وما ينفع الأصل من هاشم إذا كانت النفس من باهلةْ

‏{‏فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ‏}‏

فَتَلَقَّىا ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ لم يبيّن هنا ما هذه الكلمات، ولكنه بيّنها في سورة ‏"‏الأعراف‏"‏، بقوله‏:‏ ‏{‏قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ وَآمِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ‏}‏

يَـابَنِىا إِسْرَاءِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِىا أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ لم يبيّن هنا ما هذه النعمة التي أنعمها عليهم، ولكنه بيّنها في آيات أُخر، كقوله‏:‏ ‏{‏وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ‏}‏ الآية وقوله‏:‏ ‏{‏وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏

‏{‏وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ‏}‏ لم يبيّن هنا ما عهده وما عهدهم، ولكنه بيّن ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ‏}‏، فعهدهم هو المذكور في قوله‏:‏ ‏{‏لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا‏}‏، وعهده هو المذكور في قوله‏:‏ ‏{‏لأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ‏}‏ ‏.‏


وأشار إلى عهدهم أيضًا بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ‏}‏؛ إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏

‏{‏وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُواْ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ‏}‏

وَلاَ تَلْبِسُواْ الْحَقَّ بِالْبَـاطِلِ الحق الذي لبسوه بالباطل هو إيمانهم ببعض ما في التوراة ‏.‏ والباطل الذي لبسوا به الحق، هو كفرهم ببعض ما في التوراة وجحدهم له ‏.‏ كصفات رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وغيرها مما كتموه وجحدوه وهذا يبيّنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ‏}‏، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما تقدم ‏.‏

‏{‏وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ‏}‏

، وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَواةِ الاستعانة بالصبر على أمور الدنيا والآخرة لا إشكال فيها، وأما نتيجة الاستعانة بالصلاة، فقد أشار لها تعالى في آيات من كتابه، فذكر أن من نتائج الاستعانة بها النهي عما لا يليق، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ‏}‏، وأنها تجلب الرزق وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى‏}‏؛ ولذا كان صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة ‏.‏

وإيضاح ذلك‏:‏ أن العبد إذا قام بين يدي ربه يناجيه ويتلو كتابه هان عليه كل ما في الدنيا رغبة فيما عند اللَّه ‏.‏ ورهبة منه فيتباعد عن كل ما لا يرضي اللَّه فيرزقه اللَّه ويهديه‏.‏

‏{‏الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ‏}‏

الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـاقُوا رَبِّهِمْ المراد بالظن هنا‏:‏ اليقين كما يدل عليه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ‏}‏ ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَاتَّقُواْ يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏

وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَـاعَةٌ ظاهر هذه الآية عدم قبول الشفاعة مطلقًا يوم القيامة، ولكنه بيّن في مواضع أُخر أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السماوات والأرض ‏.‏

أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع ‏.‏ فنص على عدم الشفاعة للكفار بقوله‏:‏ ‏{‏وَلا يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ‏}‏، وقد قال‏:‏ ‏{‏وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ‏}‏ ‏.‏ وقال تعالى عنهم مقررًا له‏:‏ ‏{‏فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ‏}‏ ‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏فَمَا تَنفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏

وقال في الشفاعة بدون إذنه‏:‏ ‏{‏مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ‏}‏ ‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى‏}‏ ‏.‏ وقال‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ لاَّ تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏

وادعاء شفعاء عند اللَّه للكفار أو بغير إذنه، من أنواع الكفر به جلّ وعلا، كما صرح بذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏ ‏.‏

تنبيــه

هذا الذي قررناه من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعًا مطلقًا، يستثنى منه شفاعته صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب في نقله من محل من النار إلى محل آخر منها، كما

‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ‏}‏

يَسُومُونَكُمْ سُواءَ الْعَذَابِ بيّنه بقوله بعده‏:‏ ‏{‏َيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ‏}‏

وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَـاكُمْ لم يبيّن هنا كيفية فرق البحر بهم، ولكنه بيّن ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لاَّ تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ‏}‏ لم يبين هنا كيفية إغراقهم ولكنه بيّنها في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ‏}‏ ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ‏}‏، ودقوله‏:‏ ‏{‏رَهْواً‏}‏، أي ساكنًا على حالة انفلاقه حتى يدخلوا فيه إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏

‏{‏وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏

وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىا أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لم يبيّن هنا هل واعده إياها مجتمعة أو متفرقة ‏؟‏ ولكنه بيّن في سورة الأعراف أنها متفرقة، وأنه واعده أولاً ثلاثين، ثم أتمها بعشر، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاَثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ‏}‏ ‏.‏ قوله تعالى

‏:‏ ‏{‏ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏

الظاهر في معناه‏:‏ أن الفرقان هو الكتاب الذي أوتيه موسى، وأنما عطف على نفسه؛ تنزيلاً لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات؛ لأن ذلك الكتاب الذي هو التوراة موصوف بأمرين‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه مكتوب كتبه اللَّه لنبيه موسى عليه وعلى نبيّنا الصلاة والسلام ‏.‏

والثاني‏:‏ أنه فرقان أي فارق بين الحق والباطل، فعطف الفرقان على الكتاب، مع أنه هو نفسه نظرًا لتغاير الصفتين، كقول الشاعر‏:‏ إلى الملك القرم وابن الهمام وليث الكتيبة في المزدحم

بل ربما عطفت العرب الشىء على نفسه مع اختلاف اللفظ فقط، فاكتفوا بالمغايرة في اللفظ ‏.‏ كقول الشاعر‏:‏ إني لأعظم في صدر الكميِّ على ** ما كان فيّ من التجدير والقصر

القصر‏:‏ هو التجدير بعينه ‏.‏ وقول الآخر‏:‏ وقددت الأديم لراهشيه ** وألفى قولها كذبًا ومينًا

والمين‏:‏ هو الكذب بعينه ‏.‏ وقول الآخر‏:‏ ألا حبذا هند وأرض بها هند ** وهند أتى من دونها النأْي والبعد

والبعد‏:‏ هو النأي بعينه وقول عنترة في معلّقته‏:‏

حييت من طلل تقادم عهده ** أقوى وأقفر بعد أم الهيثم

والإقفار‏:‏ هو الإقواء بعينه ‏.‏

والدليل من القرءان على أن الفرقان هو ما أوتيه موسى ‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْوَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَارَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏

إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ لم يبيّن هنا من أي شىء هذا العجل المعبود من دون اللَّه‏؟‏ ولكنه بيّن ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِّن زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ‏}‏، ولم يذكر المفعول الثاني للاتخاذ في جميع القرءان وتقديره‏:‏ باتخاذكم العجل إلاهًا؛ كما أشار له في سورة ‏"‏طاه‏"‏ بقوله‏:‏ ‏{‏فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ‏}‏،

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ‏}‏، أوضحه بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ‏}‏ ‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ‏}‏ لم يبيّن هنا هذا الذي أتاهم ما هو، ولكنه بيّن في موضع آخر أنه الكتاب الفارق بين الحق والباطل، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَواْ مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ‏}‏

أجمل قصتهم هنا وفصلها في سورة ‏"‏الأعراف‏"‏، في قوله‏:‏ ‏{‏واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ‏}‏

قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنَ لَّنَا مَا هِىَ لم يبيّن مقصودهم بقولهم‏:‏ ‏{‏ما هي‏}‏ إلا أن جواب سؤالهم دل على أن مرادهم بقولهم في الموضع الأول ‏{‏ما هي‏}‏ أي‏:‏ ما سنها‏؟‏ بدليل قوله‏:‏ ‏{‏قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ‏}‏ الآية ‏.‏ وأن مرادهم بقولهم ‏{‏ما هي‏}‏ في الموضع الآخر هل هي عاملة أو لا ‏؟‏ وهل فيها عيب أو لا ‏؟‏ وهل فيها وشي مخالف للونها أو لا ‏؟‏ بدليل قوله‏:‏ ‏{‏قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ‏}‏

وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَارَأْتُمْ فِيهَا لم يصرح هل هذه النفس ذكر أو أنثى ‏؟‏ ‏.‏ وقد أشار إلى أنها ذكر بقوله‏:‏ ‏{‏فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ‏}‏

كَذَالِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَىا وَيُرِيكُمْ آيَـاتِهِ أشار في هذه الآية إلى أن إحياء قتيل بني إسرائيل دليل على بعث الناس بعد الموت؛ لأن من أحيا نفسًا واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس، وقد صرح بهذا في قوله‏:‏ ‏{‏مَّا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاَّ كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ‏}‏ ‏.‏ ‏{‏ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلاَ بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ أَوَلاَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ‏}‏

ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذالِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ لم يبين هنا سبب قسوة قلوبهم، ولكنه أشار إلى ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ‏}‏‏.‏

‏{‏وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لاَ تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلاَ تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ‏}‏

‏{‏وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ‏}‏ اختلف العلماء في المراد ‏{‏بالأماني‏}‏ هنا على قولين‏.‏

أحدهما‏:‏ أن المراد بالأمنية القراءة، أي‏:‏ لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظ دون إدراك معانيها ‏.‏ وهذا القول لا يتناسب مع قوله ‏{‏وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ‏}‏؛ لأن الأمّي لا يقرأ ‏.‏

الثاني‏:‏ أن الاستثناء منقطع، والمعنى لا يعلمون الكتاب، لكن يتمنون أماني باطلة، ويدل لهذا القول‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قِيلاً لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ‏}‏ ‏.‏

قوله تعالى‏:‏

‏{‏ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏

ثُمَّ أَنتُمْ هَـاؤُلااءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ الآية، يعني‏:‏ تقتلون إخوانكم، ويبيّن أن ذلك هو المراد، كثرة وروده كذلك في القرءان نحو قوله‏:‏ ‏{‏وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ‏}‏، أي‏:‏ لا يلمز أحدكم أخاه وقوله‏:‏ ‏{‏لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ‏}‏، أي بإخوانهم وقوله‏:‏ ‏{‏فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ‏}‏، أي‏:‏ بأن يقتل البرىء من عبادة العجل من عبده منهم إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

ويوضح هذا المعنى قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم، كمثل الجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمّى‏"‏ ‏.‏

‏{‏أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ‏}‏، يتبيّن ممّا قبله أن البعض الذي آمنوا به هو فداء الأسارى منهم، والبعض الذي كفروا به هو إخراجهم من ديارهم وقتلهم ومظاهرة العدو عليهم، وإن كفروا بغير هذا من الكتاب وآمنوا بغيره منه‏.‏

‏{‏وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لاَ تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏

، وَءَاتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَـاتِ لم يبيّن هنا ما هذه البينات ولكنه بيّنها في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏

‏{‏وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ‏}‏ هو جبريل على الأصح، ويدل لذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِلَيْهَا رُوحَنَا‏}‏ ‏.‏


‏{‏وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ‏}‏

، وَلَقَدْ جَآءَكُم مُّوسَىا بِالْبَيِّنَـاتِ لم يبيّن هنا ما هذه البيّنات وبيّنها في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُّفَصَّلاَتٍ فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْمًا مُّجْرِمِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ‏}‏ ‏.‏ إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏ قوله تعالى‏:‏

‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ‏}‏، خُذُواْ مَآ ءَاتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قال بعض العلماء هو من السمع بمعنى الإجابة ومنه قولهم سمعًا وطاعة أي‏:‏ إجابة، وطاعة ومنه‏:‏ سمع اللَّه لمن حمده في الصلاة ‏.‏ أي‏:‏ أجاب دعاء من حمده، ويشهد لهذا المعنى قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏}‏، وهذا قول الجمهور وقيل‏:‏ إن المراد بقوله ‏{‏واسمعوا‏}‏ أي‏:‏ بآذنكم ولا تمتنعوا من أصل الاستماع ‏.‏

ويدل لهذا الوجه‏:‏ أن بعض الكفار ربما امتنع من أصل الاستماع خوف أن يسمع كلام الأنبياء، كما في قوله تعالى عن نوح مع قومه‏:‏ ‏{‏وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا‏}‏ ‏.‏

وقوله عن قوم نبيّنا صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا‏}‏؛ لأن السمع الذي لا ينافي العصيان هو السمع بالآذان دون السمع بمعنى الإجابة ‏.‏

‏{‏وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ‏}‏

، يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ معنى الآية‏:‏ أن أحد المذكورين يتمنى أن يعيش ألف سنة وطول عمره لا يزحزحه، أي‏:‏ لا يبعده عن العذاب فالمصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله‏:‏ ‏{‏أَن يُعَمَّرَ‏}‏ فاعل اسم الفاعل الذي هو مزحزحه على أصح الأعاريب وفي لو، من قوله‏:‏ ‏{‏لَوْ يُعَمَّرُ‏}‏، وجهان‏:‏

الأول‏:‏ وهو قول الجمهور أنها حرف مصدري، وهي وصلتها في تأويل مفعول به ليود، والمعنى‏:‏ ‏{‏يَوَدُّ أَحَدُهُمْ‏}‏ أي‏:‏ يتمنى تعمير ألف سنة، ولو‏:‏ قد تكون حرفًا مصدريًا لقول قتيلة بنت الحارث‏:‏ ما كان ضرك لو مننت وربما ** من الفتى وهو المغيظ المحنق

أي‏:‏ ما كان ضرك منه ‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ إن ‏{‏لَوْ‏}‏ هنا هي الشرطية والجواب محذوف وتقديره‏:‏ لو يعمر ألف سنة، لكان ذلك أحبّ شىء إليه، وحذف جواب ‏{‏لَوْ‏}‏ مع دلالة المقام عليه واقع في القرءان، وفي كلام العرب فمنه في القرءان ‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ‏}‏، أي‏:‏ لو تعلمون علم اليقين لما ‏{‏أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ‏}‏ ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ‏}‏، أي‏:‏ لكان هذا القرءان أو لكفرتم بالرحمان ‏.‏ ومنه في كلام العرب قول الشاعر‏:‏

فأقسم لو شىء أتانا رسوله ** سواك ولكن لم نجد لك مدفعا

أي لو شىء أتانا رسوله سواك لدفعناه ‏.‏ إذا عرفت معنى الآية فاعلم أن اللَّه قد أوضح هذا المعنى مبينًا أن الإنسان لو متع ما متع من السنين ثم انقضى ذلك المتاع وجاءه العذاب أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه، ولا يغني عنه شيئًا بعد انقضائه وحلول العذاب محله ‏.‏ وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ‏}‏، وهذه هي أعظم آية في إزالة الداء العضال الذي هو طول الأمل ‏.‏ كفانا اللَّه والمؤمنين شره ‏.‏

‏{‏قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ‏}‏

قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىا قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ ظاهر هذه الآية أن جبريل ألقى القرءان في قلب النبي صلى الله عليه وسلم من غير سماع قراءة ونظيرها في ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏نزل به الروح الأمين على قلبك‏}‏ ‏.‏ ولكنه بيّن في مواضع أُخر أن معنى ذلك أن الملك يقرؤه عليه حتى يسمعه منه، فتصل معانيه إلى قلبه بعد سماعه وذلك هو معنى تنزيله على قلبه ‏.‏ وذلك كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا‏}‏ ‏.‏

‏{‏أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ‏}‏

، أَوَكُلَّمَا عَـاهَدُواْ عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ ذكر في هذه الآية أن اليهود كلما عاهدوا عهدًا نبذه فريق منهم وصرح في موضع آخر أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هو المعاهد لهم وأنهم ينقضون عهدهم في كل مرة، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لاَ يَتَّقُونَ‏}‏، وصرح في آية أخرى بأنهم أهل خيانة إلا القليل منهم، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ‏}‏

وَلَمَّا جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَـابَ كِتَـابَ اللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيرًا من اليهود نبذوا كتاب اللَّه وراء ظهورهم ولم يؤمنوا به، وبيّن في موضع آخر أن هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالكتاب هم الأكثر، وذلك في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ‏}‏

، أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْألُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَىا مِن قَبْلُ لم يبّين هنا هذا الذي سئل موسى من قبل ما هو ‏؟‏ ولكنه بيّنه في موضع آخر ‏.‏ وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ‏}‏

، الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّىا يَأْتِىَ اللَّهُ هذه الآية في أهل الكتاب كما هو واضح من السياق، والأمر في قوله ‏{‏اللَّهُ‏}‏ ‏.‏

قال بعض العلماء‏:‏ هو واحد الأوامر ‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ هو واحد الأمور، فعلى القول الأول‏:‏ بأنه الأمر الذي هو ضد النهي؛ فإن الأمر المذكور هو المصرح به في قوله‏:‏ ‏{‏قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ‏}‏ ‏.‏ وعلى القول بأنه واحد الأمور‏:‏ فهو ما صرح اللَّه به في الآيات الدالة على ما أوقع باليهود من القتل والتشريد كقوله‏:‏ ‏{‏فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاء لَعَذَّبَهُمْ‏}‏ ‏.‏ إلى غير ذلك من الآيات، والآية غير منسوخة على التحقيق ‏.‏

‏{‏وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ‏}‏

‏.‏ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَـاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَىا فِى خَرَابِهَآ قال بعض العلماء‏:‏ نزلت في صد المشركين النبيّ صلى الله عليه وسلم عن البيت الحرام في عمرة الحديبية عام ستّ ‏.‏

وعلى هذا القول‏:‏ فالخراب معنوي، وهو خراب المساجد بمنع العبادة فيها ‏.‏ وهذا القول يبيّنه ويشهد له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ ‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ الخراب المذكور هو الخراب الحسيّ ‏.‏ والآية نزلت فيمن خرّب بيت المقدس، وهو بختنصر أو غيره وهذا القول يبيّنه ويشهد له قوله جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاء وَعْدُ الآخِرَةِ لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيرًا‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ وَقَالَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ لَوْلاَ يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلاَ تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ‏}‏

وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا هذا الولد المزعوم على زاعمه لعائن اللَّه، قد جاء مفصلاً في آيات أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَجْعَلُونَ لِلّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُم مَّا يَشْتَهُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ‏}‏

قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّـالِمِينَ يفهم من هذه الآية أن اللَّه علم أن من ذريّة إبراهيم ظالمين ‏.‏ وقد صرح تعالى في مواضع أُخر بأنّ منهم ظالمًا وغير ظالم ‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏}‏

وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَـاعِيلُ ذكر في هذه الآية رفع إبراهيم وإسماعيل لقواعد البيت ‏.‏ وبيّن في سورة ‏"‏ الحج ‏"‏ أنه أراه موضعه بقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ‏}‏، أي‏:‏ عينّا له محله وعرفناه به ‏.‏ قيل‏:‏ دله عليه بمزنة كان ظلها قدر مساحته، وقيل‏:‏ دلّه عليه بريح تسمى الحجوج كنست عنه حتى ظهر أسمه القديم فبنى عليه إبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبيّنا الصلاة والسلام ‏.‏

‏{‏رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ‏}‏

، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ لم يبيّن هنا من هذه الأمة التي أجاب اللَّه بها دعاء نبيّه إبراهيم وإسماعيل، ولم يبيّن هنا أيضًا هذا الرسول المسؤول بعثه فيهم من هو ‏؟‏ ولكنه يبيّن في سورة الجمعة أن تلك الأمة العرب، والرّسول هو سيّد الرسل محمّد صلى الله عليه وسلم، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ‏}‏؛ لأن الأميين العرب بالإجماع ‏.‏ والرّسول المذكور نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم إجماعًا ‏.‏ ولم يبعث رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل إلا نبيّنا محمّد صلى الله عليه وسلم وحده ‏.‏

وثبت في الصحيح أنه هو الرسول الذي دعا به إبراهيم ولا ينافي ذلك عموم رسالته صلى الله عليه وسلم إلى الأسود والأحمر ‏.‏

‏{‏وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ‏}‏

، وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ لم يبيّن هنا ما ملّة إبراهيم وبينها بقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏، فصرح في هذه الآية بأنها دين الإسلام الذي بعث اللَّه به نبيّه محمّدًا صلى الله عليه وسلم ‏.‏ وكذا في قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ‏}‏

، يَـابَنِىَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىا لَكُمُ الدِّينَ أشار إلى أنه دين الإسلام هنا بقوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ‏}‏، وصرح بذلك في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلاَمُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ‏}‏ لم يبيّن هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكنه بيّن في سورة ‏"‏الأعلى‏"‏ أنه صحف وأن من جملة ما في تلك الصحف‏:‏ ‏{‏بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى‏}‏ وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الأُولَى صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى‏}‏ ‏.‏ وذلك في قوله‏:‏

‏{‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏

وَمَآ أُوتِىَ مُوسَىا وَعِيسَىا لم يبين هنا ما أوتيه موسى وعيسى، ولكنه بيّنه في مواضع أُخر ‏.‏ فذكر أن ما أُوتيه موسى هو التوراة المعبّر عنها بالصحف في قوله‏:‏ ‏{‏صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى‏}‏، وذلك كقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ‏}‏ وهو التوراة بالإجماع ‏.‏ وذكر أن ما أوتيه عيسى هو الإنجيل كما في قوله‏:‏ ‏{‏وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِم بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَآتَيْنَاهُ الإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏، أمر اللَّه النبيّ صلى الله عليه وسلم والمسلمين في هذه الآية أن يؤمنوا بما أوتيه جميع النبيّين وأن لا يفرقوا بين أحد منهم، حيث قال‏:‏ ‏{‏قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ‏}‏، ولم يذكر هنا هل فعلوا ذلك أو لا ‏؟‏ ولم يذكر جزاءهم إذا فعلوه ولكنه بيّن كل ذلك في غير هذا الموضع ‏.‏ فصرّح بأنهم امتثلوا الأمر بقوله‏:‏ ‏{‏مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ‏}‏، وذكر جزاءهم على ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا‏}‏ ‏.‏

‏{‏سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏

قُل لّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَىا صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ لم يبيّن هنا الصراط المستقيم ‏.‏ ولكنه بيّنه بقوله‏:‏ ‏{‏اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ‏}‏

، وَكَذَالِكَ جَعَلْنَـاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا أي‏:‏ خيارًا عدولاً ‏.‏ ويدل لأن الوسط الخيار العدول ‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ‏}‏، وذلك معروف في كلام العرب ومنه قول زهير‏:‏ هم وسط يرضى الأنام لحكمهم ** إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم

‏{‏وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا‏}‏، لم يبين هنا هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو الآخرة‏؟‏ ولكنه بيّن في موضع آخر‏:‏ أنه شهيد عليهم في الآخرة وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ‏}‏‏.‏ ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون ‏.‏ وقد بيّن أنه لا يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه بقوله جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}‏، فقوله‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}‏، بعد قوله‏:‏ ‏{‏لِيَبْتَلِي‏}‏، دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئًا لم يكن عالمًا به، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ لأن العليم بذات الصدور

غني عن الاختبار وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر اللَّه فيها اختباره لخلقه، ومعنى ‏{‏إِلاَّ لِنَعْلَمَ‏}‏ أي علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب فلا ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس ‏.‏ أما عالم السر والنجوى فهو عالم بكل ما سيكون كما لا يخفى‏.‏


وقوله‏:‏ ‏{‏مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ‏}‏ أشار إلى أن الرسول هو محمّد صلى الله عليه وسلم بقوله مخاطبًا له‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا‏}‏ الآية؛ لأن هذا الخطاب له إجماعًا

‏{‏قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ‏}‏

وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُواْ أي صلاتكم إلى بيت المقدس على الأصح ويستروح ذلك من قوله قبله‏:‏ ‏{‏وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا‏}‏، ولا سيما على القول باعتبار دلالة الاقتران، والخلاف فيها معروف في الأصول ‏.‏

‏{‏فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا‏}‏، بيّنه قوله بعده‏:‏ ‏{‏تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ‏}‏ ‏.‏

‏{‏إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ‏}‏

أُولَـائِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّـاعِنُونَ لم يبيّن هنا ما اللاعنون، ولكنه أشار إلى ذلك في قوله‏:‏ ‏{‏خَالِدِينَ فِيهَا لاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ‏}‏ لم يبيّن هنا وجه كونهما آية، ولكنه بين ذلك في مواضع أُخر، كقوله‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٍ وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ‏}‏ ‏.‏ وقوله في الأرض‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ‏}‏ ‏.‏

‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونََ‏}‏ وَاخْتِلَـافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لم يبيّن هنا وجه كون اختلافهما آية، ولكنّه بيّن ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلا تَسْمَعُونَ‏}‏ ‏.‏ إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏

‏{‏وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏ لم يبيّن هنا كيفية تسخيره، ولكنه بيّن ذلك في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْموْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاء وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاء يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأَبْصَارِ‏}‏ ‏.‏

‏{‏وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ‏}‏

، وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوااْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ المراد بالذين ظلموا الكفار وقد بيّن ذلك بقوله في آخر الآية‏:‏ ‏{‏وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ‏}‏، ويدلّ لذلك قوله تعالى عن لقمان مقررًا له‏:‏، ويدلّ لذلك قوله تعالى عن لقمان مقررًا له‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ‏}‏، وقوله جلّ وعلا‏:‏ ‏{‏وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ‏}‏

إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ أشار هنا إلى تخاصم أهل النار ‏.‏ وقد بيّن منه غير ما ذكر هنا في مواضع أُخر كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏

‏{‏يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ‏}‏

، وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَـانِ لم يذكر هنا ما يترتب على اتباع خطواته من الضرر، ولكنه أشار إلى ذلك في سورة ‏"‏النور‏"‏، بقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ‏}‏ ‏.‏ ‏{‏إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏

وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ لم يبيّن هنا هذا الذي يقولونه عليه بغير علم، ولكنه فصله في مواضع أُخر فذكر أن ذلك الذي يقولونه بغير علم هو أن اللَّه حرّم البحائر والسوائب ونحوها، وأن لهُ أولادًا، وأن له شركاء، سبحانه وتعالى عن ذلك علوًّا كبيرًا ‏.‏ فصرح بأنه لم يحرم ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏مَا جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاء عَلَى اللَّهِ‏}‏ ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ‏}‏ ‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات ‏.‏ ونزه نفسه عن الشركاء المزعومة بقوله‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ‏}‏، ونحوها من الآيات ونزّه نفسه عن الأولاد المزعومة بقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ‏}‏ ‏.‏ ونحوها من الآيات فظهر من هذه الآيات تفصيل، ‏{‏مَا‏}‏ أجمل في اسم الموصول الذي هو ‏{‏مَا‏}‏، من قوله‏:‏ ‏{‏وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏.‏

‏{‏إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ‏}‏

، إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ ظاهر هذه الآية أن جميع أنواع الميتة والدم حرام، ولكنه بيّن في موضع آخر أن ميتة البحر خارجة عن ذلك التحريم وهو قوله‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِيَ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ‏}‏ ‏.‏ إذ ليس للبحر طعام غير الصيد إلا ميتته ‏.‏ وما ذكره بعض العلماء من أن المراد بطعامه قديده المجفف بالملح مثلاً، وأن المراد بصيده الطري منه ‏.‏ فهو خلاف الظاهر؛ لأن القديد من صيده فهو صيد جعل قديدًا وجمهور العلماء على أن المراد بطعامه ميتته ‏.‏ منهم‏:‏ أبو بكر الصديق، وزيد بن ثابت، وعبد اللَّه ابن عمر، وأبو أيوب الأنصاري ــ رضي اللَّه عنهم أجمعين ــ وعكرمة، وأبو سلمة بن عبد الرحمان، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري وغيرهم ‏.‏ كما نقله عنهم ابن كثير ‏.‏ وأشار في موضع آخر إلى أن غير المسفوح من الدماء ليس بحرام وهو قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا‏}‏، فيفهم منه أن غير المسفوح كالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم ليس بحرام، إذ لو كان كالمسفوح لما كان في التقييد بقوله‏:‏ ‏{‏مَّسْفُوحًا‏}‏ ‏.‏ فـائـدة

وقد جاء عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن اللَّه أحلّ له ولأمته ميتتين ودمين، أما الميتتان‏:‏ فالسمك والجراد، وأما الدمان‏:‏ فالكبد والطحال، وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الأنعام إن شاء اللَّه تعالى ‏.‏

وعنه صلى الله عليه وسلم في البحر ‏"‏هو الحل ميتته‏"‏ أخرجه مالك وأصحاب ‏"‏السنن‏"‏ والإمام أحمد، والبيهقي والدارقطني في سننهما، والحاكم في ‏"‏المستدرك‏"‏، وابن الجارود في ‏"‏المنتقى‏"‏، وابن أبي شيبة، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبخاري ‏.‏

وظاهر عموم هذا الحديث وعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُهُ‏}‏، يدل على إباحة ميتة البحر مطلقًا ‏.‏ وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه أنه أكل من العنبر، وهو حوت ألقاه البحر ميتًا وقصته مشهورة‏.‏

وحاصل تحرير فقه هذه المسألة‏:‏ أن ميتة البحر على قسمين‏:‏ قسم لا يعيش إلا في الماء، وإن أُخرج منه مات كالحوت ‏.‏ وقسم يعيش في البر، كالضفادع ونحوها‏.‏

أما الذي لا يعيش إلا في الماء كالحوت ‏.‏ فميتته حلال عند جميع العلماء وخالف أبو حنيفة رحمه الله، فيما مات منه في البحر وطفا على وجه الماء ‏.‏ فقال فيه‏:‏ هو مكروه الأكل، بخلاف ما قتله إنسان أو حسر عنه البحر فمات، فإنه مباح الأكل عنده ‏.‏

وأما الذي يعيش في البر، من حيوان البحر‏:‏ كالضفادع، والسلحفاة، والسرطان وترس الماء ‏.‏ فقد اختلف فيه العلماء ‏.‏ فذهب مالك بن أنس إلى أن ميتة البحر من ذلك كله مباحة الأكل، وسواء مات بنفسه أو وجد طافيًا أو باصطياد، أو أُخرج حيًّا، أو أُلقي في النار، أو دسّ في طين‏.‏

وقال ابن نافع، وابن دينار‏:‏ ميتة البحر مما يعيش في البر نجسة‏.‏

ونقل ابن عرفة قولاً ثالثًا بالفرق بين أن يموت في الماء، فيكون طاهرًا، أو في البرّ فيكون نجسًا؛ وعزاه لعيسى عن ابن القاسم‏.‏ والضفادع البحرية عند مالك مباحة الأكل، وإن ماتت فيه‏.‏

وفي ‏"‏المدونة‏"‏‏:‏ ولا بأس بأكل الضفادع وإن ماتت؛ لأنها من صيد الماء‏.‏ اهـ‏.‏

أما ميته الضفادع البرية فهي حرام بلا خلاف بين العلماء، وأظهر الأقوال منع الضفادع مطلقًا ولو ذكيت، لقيام الدليل على ذلك، كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى‏.‏

أما كلب الماء وخنزيره فالمشهور من مذهب مالك فيهما الكراهة‏.‏

قال خليل بن إسحاق المالكي في ‏"‏مختصره‏"‏، عاطفًا على ما يكره، وكلب ماء وخنزيره‏.‏

وقال الباجي‏:‏ أما كلب البحر وخنزيره، فروى ابن شعبان أنه مكروه وقاله ابن حبيب‏.‏

وقال ابن القاسم في ‏"‏المدونة‏"‏‏:‏ لم يكن مالك يجيبنا في خنزير الماء بشىء، ويقول‏:‏ أنتم تقولون خنزير‏.‏

وقال ابن القاسم‏:‏ وأنا أتقيه ولو أكله رجل لم أره حرامًا هذا هو حاصل مذهب مالك في المسألة، وحجّته في إباحة ميتة الحيوان البحري كان يعيش في البر أو لا‏.‏

‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ‏}‏، ولا طعام له غير صيده إلا ميتته، كما قاله جمهور العلماء، وهو الحق ويؤيده قوله صلى الله عليه وسلم في البحر‏:‏ ‏"‏ هو الطهور ماؤه الحل ميتته‏"‏، وقد قدمنا ثبوت هذا الحديث وفيه التصريح من النبيّ صلى الله عليه وسلم بأن ميتة البحر حلال، وهو فصل في محل النزاع‏.‏ وقد تقرر في الأصول أن المفرد إذا أضيف إلى معرفة كان من صيغ العموم‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ‏}‏‏.‏

وإليه أشار في ‏"‏مراقي السعود‏"‏، بقوله عاطفًا على صيغ العموم‏:‏ وما معرفًا بأل قد وجدا

أو بإضافة إلى معرف ** إذا تحقق الخصوص قد نفىا

وبه نعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏ميتته‏"‏ يعم بظاهره كل ميتة مما في البحر‏.‏

ومذهب الشافعي رحمه اللَّه في هذه المسألة هو أن ما لا يعيش إلا في البحر فميتته حلال، بلا خلاف، سواء كان طافيًا على الماء أم لا‏.‏

وأما الذي يعيش في البر من حيوان البحر فأصح الأقوال فيه وهو المنصوص عن الشافعي في ‏"‏الأم‏"‏، و ‏"‏مختصر المزني‏"‏، واختلاف العراقيين‏:‏ أن ميتته كله حلال؛ للأدلة التي قدمنا آنفًا ومقابله قولان‏:‏

أحدهما‏:‏ منع ميتة البحري الذي يعيش في البر مطلقًا‏.‏

الثاني‏:‏ التفصيل بين ما يؤكل نظيره في البر، كالبقرة والشاة فتباح ميتة البحري منه، وبين ما لا يؤكل نظيره في البرّ كالخنزير والكلب فتحرم ميتة البحري منه، ولا يخفى أن حجة الأول أظهر لعموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ الحل ميتته ‏"‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَطَعَامُهُ‏}‏، كما تقدم‏.‏

وأما مذهب الإمام أحمد رحمه اللَّه، فهو أن كل ما لا يعيش إلا في الماء فميتته حلال، والطافي منه وغيره سواء، وأما ما يعيش في البرّ من حيوان البحر فميتته عنده حرام، فلا بدّ من ذكاته إلا ما لا دم فيه؛ كالسرطان فإنه يباح عنده من غير ذكاة‏.‏ واحتجّ لعدم إباحة ميتة ما يعيش في البرّ؛ بأنه حيوان يعيش في البرّ له نفس سائلة فلم يبح بغير ذكاة، كالطير‏.‏

وحمل الأدلة التي ذكرنا على خصوص ما لا يعيش إلاّ في البحر‏.‏

اهـ‏.‏

وكلب الماء عنده إذا ذكي حلال، ولا يخفى أن تخصيص الأدلة العامة يحتاج إلى نص، فمذهب مالك والشافعي أظهر دليلاً، واللَّه تعالى أعلم‏.‏

ومذهب الإمام أبي حنيفة رحمه اللَّه أن كل ما يعيش في البرّ لا يؤكل البحري منه أصلاً؛ لأنه مستخبث‏.‏ وأما ما لا يعيش إلا في البحر وهو الحوت بأنواعه فميتته عنده حلال، إلا إذا مات حتف أنفه في البحر وطفا على وجه الماء، فإنه يكره أكله عنده، فما قتله إنسان أو حسر عنه البحر فمات حلال عنده، بخلاف الطافي على وجه الماء‏.‏ وحجته فيما يعيش في البرّ منه‏:‏ أنه مستخبث، واللَّه تعالى يقول‏:‏ ‏{‏وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ‏}‏، وحجّته في كراهة السمك الطافي ما رواه أبو داود في ‏"‏سننه‏"‏‏:‏ حدّثنا أحمد بن عبدة، حدّثنا يحيىا بن سليم الطائفي، حدّثنا إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه قال‏:‏ قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ ما ألقي البحر أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه ‏"‏‏.‏اهـ‏.‏

قال أبو داود‏:‏ روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد عن أبي الزبير أوقفوه على جابر‏.‏

وقد أسند هذا الحديث أيضًا من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏اهـ‏.‏

وأجاب الجمهور عن الاحتجاج الأول بأن ألفاظ النصوص عامة في ميتة البحر، وأن تخصيص النص العام لا بدّ له من دليل من كتاب أو سنّة يدلّ على التخصيص، كما تقدم‏.‏

ومطلق ادعاء أنه خبيث لا يردّ به عموم الأدلة الصريحة في عموم ميتة البحر، وعن الاحتجاج الثاني بتضعيف حديث جابر المذكور‏.‏

قال النووي في ‏"‏شرح المهذب‏"‏، ما نصه‏:‏ وأما الجواب عن حديث جابر الذي احتجّ به الأولون فهو أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شىء، فكيف وهو معارض بما ذكرناه من دلائل الكتاب والسنة وأقاويل الصحابة رضي اللَّه عنهم المنتشرة‏؟‏‏.‏

وهذا الحديث من رواية يحيىا بن سليم الطائفي، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير عن جابر‏.‏

قال البيهقي‏:‏ يحيىا بن سليم الطائفي كثير الوهم سَيِّىء الحفظ‏.‏ قال‏:‏ وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أُمية موقوفًا على جابر‏.‏ قال‏:‏ وقال الترمذي‏:‏ سألت البخاري عن هذا الحديث، فقال‏:‏ ليس هو بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه‏.‏ قال‏:‏ ولا أعرف لأثر ابن أُمية عن أبي الزبير شيئًا‏.‏

قال البيهقي‏:‏ وقد رواه أيضًا يحيى بن أبي أنيسة عن أبي الزبير مرفوعًا، ويحيىا بن أبي أنيسة متروك لا يحتجّ به‏.‏ قال‏:‏ ورواه عبد العزيز بن عبيد اللَّه، عن وهب بن كيسان عن جابر مرفوعًا، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به، قال‏:‏ ورواه بقية بن الوليد عن الأوزاعي عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا، ولا يحتج بما ينفرد به بقية، فكيف بما يخالف‏؟‏ قال‏:‏ وقول الجماعة من الصحابة على خلاف قول جابر مع ما رويناه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر‏:‏ ‏"‏هو الطهور ماؤه الحلّ ميتته‏"‏‏.‏ اهـ‏.‏

وقال البيهقي في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏ في باب ‏"‏ من كره أكل الطافي ‏"‏ ما نصه‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، حدّثنا محمد بن إبراهيم بن فيروز، حدّثنا محمد بن إسماعيل الحساني، حدّثنا ابن نمير، حدّثنا عبيد اللَّه بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر رضي اللَّه عنه أنه كان يقول‏:‏ ‏"‏ما ضرب به البحر أو جزر عنه أو صيد فيه فكل، وما مات فيه ثم طفا فلا تأكل‏"‏‏.‏ وبمعناه رواه أبو أيوب السختياني وابن جريج، وزهير بن معاوية، وحماد بن سلمة، وغيرهم عن أبي الزبير عن جابر موقوفًا وعبد الرّزّاق وعبد اللَّه بن الوليد العدني، وأبو عاصم، ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم، عن سفيان الثوري موقوفًا، وخالفهم أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري مرفوعًا وهو واهم فيه، أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أنبأ سليمان بن أحمد اللخمي، حدّثنا عليّ بن إسحاق الأصبهاني، حدّثنا نصر بن علي، حدّثنا أبو أحمد الزبيري، حدّثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إذا طفا السمك على الماء فلا تأكله، وإذا جزر عنه البحر فكله، وما كان على حافته فكله ‏"‏‏.‏ قال سليمان‏:‏ لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلاّ أبو أحمد، ثم ذكر البيهقي بعد هذا الكلام حديث أبي داود الذي قدمنا، والكلام الذي نقلناه عن النووي‏.‏

قال مقيّده عفا اللَّه عنه فتحصل‏:‏ أن حديث جابر في النهي عن أكل السمك الطافي ذهب كثير من العلماء إلى تضعيفه وعدم الاحتجاج به‏.‏ وحكى النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه كما قدمنا عنه، وحكموا بأن وقفه على جابر أثبت‏.‏ وإذن فهو قول صحابي معارض بأقوال جماعة من الصحابة منهم‏:‏ أبو بكر الصدّيق رضي اللَّه عنه وبالآية والحديث المتقدمين‏.‏ وقد يظهر للناظر أن صناعة علم الحديث والأصول لا تقتضي الحكم بردّ حديث جابر المذكور؛ لأن رفعه جاء من طرق متعددة وبعضها صحيح، فرواية أبي داود له مرفوعًا التي قدمنا، ضعفوها بأن في إسنادها يحيىا بن سليم الطائفي، وأنه سَيِّىء الحفظ‏.‏


وقد رواه غيره مرفوعًا مع أن يحيىا بن سليم المذكور من رجال البخاري ومسلم في ‏"‏صحيحيهما‏"‏، ورواية أبي أحمد الزبيري له عن الثوري مرفوعًا عند البيهقي والدارقطني، ضعفوها بأنه واهم فيها‏.‏ قالوا‏:‏ خالفه فيها وكيع وغيره، فرووه عن الثوري موقوفًا‏.‏

ومعلوم أن أبا أحمد الزبيري المذكور وهو محمد بن عبد اللَّه بن الزبير بن عمرو بن درم الأسدي ثقة ثبت‏.‏ وإن قال ابن حجر في ‏"‏التقريب‏"‏‏:‏ إنه قد يخطىء في حديث الثوري فهاتان الروايتان برفعه تعضدان برواية بقية بن الوليد له مرفوعًا عند البيهقي وغيره، وبقية المذكور من رجال مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏، وإن تكلّم فيه كثير من العلماء‏.‏ ويعتضد ذلك أيضًا برواية عبد العزيز بن عبيد اللَّه له، عن وهب بن كيسان، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا‏.‏

ورواية يحيىا بن أبي أنيسة له عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا، وإن كان عبد العزيز بن عبيد اللَّه ويحيىا بن أبي أنيسة المذكوران ضعيفين؛ لاعتضاد روايتهما برواية الثقة، ويعتضد ذلك أيضًا برواية ابن أبي ذئب له، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا عند الترمذي وغيره‏.‏ فالظاهر أنه لا ينبغي أن يحكم على حديث جابر المذكور بأنه غير ثابت؛ لما رأيت من طرق الرفع التي روي بها‏.‏ وبعضها صحيح كرواية أبي أحمد المذكورة والرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة‏.‏

قال في ‏"‏مراقي السعود‏"‏‏:‏ والرفع والوصل وزيد اللفظ مقبولة عند أمام الحفظ

إلخ‏.‏‏.‏‏.‏ نعم لقائل أن يقول‏:‏ هو معارض بما هو أقوى منه؛ لأن عموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ‏}‏، وقوله صلى الله عليه وسلم في البحر‏:‏ ‏"‏ هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ‏"‏ أقوى من حديث جابر هذا؛ ويؤيد ذلك اعتضاده بالقياس؛ لأنه لا فرق في القياس بين الطافي وغيره‏.‏ وقد يجاب عن هذا بأنه لا يتعارض عام وخاص، وحديث جابر في خصوص الطافي فهو مخصص لعموم أدلة الإباحة‏.‏

فالدليل على كراهة أكل السمك الطافي لا يخلو من بعض قوة، واللَّه تعالى أعلم‏.‏ والمراد بالسمك الطافي هو الذي يموت في البحر فيطفو على وجه الماء وكل ما علا على وجه الماء ولم يرسب فيه تسميه العرب طافيًا‏.‏

ومن ذلك قول عبد اللَّه بن رواحة رضي اللَّه عنه‏:‏ وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمين

ويحكى في نوادر المجانين أن مجنونًا مرّ به جماعة من بني راسب، وجماعة من بني طفاوة يختصمون في غلام، فقال لهم المجنون‏:‏ القوا الغلام في البحر فإن رسب فيه فهو من بني راسب، وإن طفا على وجهه فهو من بني طفاوة‏.‏

وقال البخاري في ‏"‏صحيحه‏"‏، باب قول اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ‏}‏‏.‏ قال عمر‏:‏ صيده ما اصطيد وطعامه ما رمىا به‏.‏

وقال أبو بكر‏:‏ الطافي حلال، وقال ابن عباس طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، والجري لا تأكله اليهود ونحن نأكله‏.‏

وقال شريح صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ كل شىء في البحر مذبوحه، وقال عطاء‏:‏ أما الطير فأرى أن نذبحه‏.‏

وقال ابن جريج‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو ‏؟‏ قال‏:‏ نعم، ثم تلا‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا‏}‏‏.‏ وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء‏.‏ وقال الشعبي‏:‏ لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم‏.‏ ولم يرَ الحسن بالسلحفاة بأسًا‏.‏

وقال ابن عباس‏:‏ كل من صيد البحر نصراني أو يهودي أو مجوسي‏.‏ وقال أبو الدرداء في المري ذبح الخمر النينان والشمس‏.‏ انتهى من البخاري بلفظه‏.‏ ومعلوم أن البخاري رحمه اللَّه لا يعلق بصيغة الجزم إلا ما كان صحيحًا ثابتًا عنده‏.‏

وقال الحافظ ابن حجر في ‏"‏فتح الباري‏"‏، في الكلام على هذه المعلقات التي ذكرها البخاري ما نصه‏:‏ قوله‏:‏ قال عمر، هو ابن الخطاب، ‏"‏ صيده ‏"‏ ما اصطيد، و ‏"‏ طعامه ‏"‏ ما رمى به‏.‏ وصله المصنف في ‏(‏التاريخ‏)‏، وعبد بن حميد من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه، عن أبي هريرة قال‏:‏ لما قدمت البحرين سألني أهلها عما قذف البحر‏؟‏ فأمرتهم أن يأكلوه‏.‏ فلما قدمت على عمر فذكر قصة‏.‏ قال‏:‏ فقال عمر‏:‏ قال اللَّه تعالى في كتابه‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ‏}‏، فصيده‏:‏ ما صيد، وطعامه‏:‏ ما قذف به‏.‏ قوله‏:‏ وقال أبو بكر، هو الصديق، الطافي حلال، وصله، أبو بكر بن أبي شيبة، والطحاوي والدارقطني من رواية عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ أشهد على أبي بكر أنه قال‏:‏ السمكة الطافية حلال‏.‏ زاد الطحاوي‏:‏ لمن أراد أكله، وأخرجه الدارقطني، وكذا عبد بن حميد والطبري منها‏.‏ وفي بعضها أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء، وللدارقطني من وجه آخر عن ابن عباس عن أبي بكر‏:‏ أن اللَّه ذبح لكم ما في البحر فكلوه كله فإنه ذكي‏.‏

قوله‏:‏ وقال ابن عباس‏:‏ طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، وصله الطبري من طريق أبي بكر بن حفص عن عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ‏}‏، قال طعامه‏:‏ ميتته‏.‏ وأخرج عبد الرزّاق من وجه آخر عن ابن عباس، وذكر صيد البحر لا تأكل منه طافيًا في سنده الأجلح وهو لين، ويوهنه حديث ابن عباس الماضي قبله، قوله‏:‏ والجري لا تأكله اليهود، ونحن نأكله‏.‏ وصله عبد الرزّاق عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الجرى فقال‏:‏ لا بأس به، إنما هو شىء كرهته اليهود‏.‏ وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع عن الثوري به‏.‏ وقال في روايته‏:‏ سألت ابن عباس عن الجري، فقال‏:‏ لا بأس به؛ إنما تحرمه اليهود ونحن نأكله، وهذا على شرط الصحيح‏.‏ وأخرج عن علي وطائفة نحوه‏.‏ والجرى، بفتح الجيم، قال ابن التين‏:‏ وفي نسخة بالكسر، وهو ضبط الصحاح، وكسر الراء الثقيلة قال‏:‏ ويقال له أيضًا‏:‏ الجريت، وهو ما لا قشر له‏.‏

وقال ابن حبيب من المالكية‏:‏ إنما أكرهه؛ لأنه يقال‏:‏ إنه من الممسوخ‏.‏ وقال الأزهري‏:‏ الجريت نوع من السمك يشبه الحيات‏.‏ وقيل‏:‏ سمك لا قشر له‏.‏ ويقال له أيضًا‏:‏ المرماهي، والسلور مثله‏.‏ وقال الخطابي‏:‏ هو ضرب من السمك يشبه الحيات، وقال غيره‏:‏ نوع عريض الوسط، دقيق الطرفين‏.‏ قوله‏:‏ وقال شريح صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ كل شىء في البحر مذبوح، وقال عطاء‏:‏ أما الطير فأرى أن تذبحه، وصله المصنف في ‏"‏التاريخ‏"‏، وابن منده في ‏"‏المعرفة‏"‏، من رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار وأبي الزبير أنهما سمعا شريحًا صاحب النبيّ صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ كل شىء في البحر مذبوح‏.‏ قال‏:‏ فذكرت ذلك لعطاء‏.‏ فقال‏:‏ أما الطير فأرى أن تذبحه، وأخرجه الدارقطني وأبو نعيم في ‏"‏الصحابة‏"‏، مرفوعًا من حديث شريح، والموقوف أصح‏.‏

وأخرجه ابن أبي عاصم في الأطعمة من طريق عمرو بن دينار، سمعت شيخًا كبيرًا يحلف باللَّه ما في البحر دابة إلا قد ذبحها اللَّه لبني ءادم، وأخرج الدارقطني من حديث عبد اللَّه بن سرجس رفعه‏:‏ ‏"‏ أن اللَّه قد ذبح كل ما في البحر لبني ءادم ‏"‏، وفي سنده ضعف، والطبراني من حديث ابن عمر رفعه نحوه، وسنده ضعيف أيضًا، وأخرج عبد الرزاق بسندين جيدين عن عمر، ثم عن عليّ‏:‏ الحوت ذكي كله، قوله‏:‏ وقال ابن جريج‏:‏ قلت لعطاء‏:‏ صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو ‏؟‏ قال‏:‏ نعم، ثم تلا‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏، وصله عبد الرزّاق في ‏"‏ التفسير ‏"‏، عن ابن جريج بهذا سواء، وأخرجه الفاكهي في كتاب ‏"‏مكة‏"‏، من رواية عبد المجيد بن أبي دواد عن ابن جريج أتم من هذا وفيه‏:‏ وسألته عن حيتان بركة القشيري، وهي بئر عظيمة في الحرم، أتصاد ‏؟‏ قال‏:‏ نعم؛ وسألته عن ابن الماء وأشباهه أصيد بحر أم صيد برّ ‏؟‏ فقال‏:‏ حيث يكون أكثر فهو صيد‏.‏

وقلات، بكسر القاف وتخفيف اللام وآخره مثناة، ووقع في رواية الأصيلي مثلثة‏.‏ والصواب الأول‏:‏ جمع قلت بفتح أوله مثل‏:‏ بحر وبحار، وهو النقرة في الصخرة، يستنقع فيها الماء‏.‏ قوله‏:‏ وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء، وقال الشعبي‏:‏ لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، ولم يرَ الحسن بالسلحفاة بأسًا‏.‏ أما قول الحسن الأول فقيل إنه ابن علي‏.‏ وقيل‏:‏ البصري، ويؤيّد الأول أنه وقع في رواية وركب الحسن عليه السلام وقوله‏:‏ على سرج من جلود، أي متّخذ من جلود كلاب الماء‏.‏ وأما قول الشعبي‏:‏ فالضفادع جمع ضفدع، بكسر أوله وفتح الدال وبكسرها أيضًا، وحكي ضم أوله مع فتح الدال؛ والضفادي بغير عين لغة فيه، قال ابن التين‏:‏ لم يبيّن الشعبي هل تذكى أم لا ‏؟‏‏.‏ ومذهب مالك أنها تؤكل بغير تذكية، ومنهم من فصل بين ما مأواه الماء وغيره‏.‏ وعن الحنفية، ورواية عن الشافعي‏:‏ لا بد من التذكية‏.‏

قال مقيّده عفا اللَّه عنه ميتة الضفادع البريّة لا ينبغي أن يختلف في نجاستها، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ‏}‏، وهي ليست من حيوان البحر؛ لأنها برية، كما صرح عبد الحق بأن ميتتها نجسة في مذهب مالك‏.‏ نقله عنه الحطاب والمواق وغيرهما، في شرح قول خليل‏:‏ والبحري ولو طالت حياته ببرّ، وقال ابن حجر متصلاً بالكلام السابق، وأما قول الحسن في السلحفاة فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن طاوس عن أبيه أنه كان لا يرى بأكل السلحفاة بأسًا، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن قال‏:‏ لا بأس بأكلها، والسلحفاة، بضم المهملة وفتح اللام وسكون المهملة بعدها فاء، ثم ألف ثم هاء، ويجوز بدل الهاء همزة حكاه ابن سيده، وهي رواية عبدوس‏.‏

وحكي أيضًا في المحكم‏:‏ بسكون اللام وفتح الحاء‏.‏

وحكي أيضًا‏:‏ سلحفية كالأول لكن بكسر الفاء بعدها تحتانية مفتوحة‏.‏

قوله‏:‏ وقال ابن عباس‏:‏ كل من صيد البحر نصراني، أو يهودي، أو مجوسي‏.‏

قال الكرماني‏:‏ كذا في النسخ القديمة وفي بعضها ‏"‏ما صاده‏"‏ قبل لفظ نصراني‏.‏ قلت‏:‏ وهذا التعليق وصله البيهقي من طريق سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس‏.‏ قال‏:‏ كل ما ألقى البحر وما صيد منه، صاده يهودي أو نصراني أو مجوسي‏.‏

قال ابن التين‏:‏ مفهومه أن صيد البحر لا يؤكل إن صاده غير هؤلاء وهو كذلك عند قوم‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء وسعيد بن جبير، وبسند آخر عن علي كراهية صيد المجوسي السمك‏.‏ انتهى، من ‏"‏فتح الباري‏"‏ بلفظه‏.‏

وقول أبي الدرداء‏:‏ في المري ذبح الخمر النينان والشمس‏.‏ المشهور في لفظه أن ذبح فعل ماض، والخمر مفعول به، والنينان فاعل ذبح، والشمس بالرفع معطوفًا على الفاعل الذي هو النينان، وهي جمع نون وهو‏:‏ الحوت والمري، بضم الميم وسكون الراء بعدها تحتانية على الصحيح، خلافًا لصاحب ‏"‏الصحاح‏"‏ و ‏"‏النهاية‏"‏، فقد ضبطاه بضم الميم وكسر الراء

المشدّدة نسبة إلى المر وهو الطعم المشهور، والمري المذكور طعام كان يعمل بالشام، يؤخذ الخمر فيجعل فيه الملح والسمك ويوضع في الشمس فيتغير عن طعم الخمر ويصير خلاًّ، وتغيير الحوت والملح والشمس له عن طعم الخمر إزالة الإسكار عنه، هو مراد أبي الدرداء بذبح الحيتان والشمس له، فاستعار الذبح لإذهاب الشدة المطربة التي بها الإسكار، وأثر أبي الدرداء هذا، وصله إبراهيم الحربي في غريب الحديث له، من طريق أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، فذكره سواء‏.‏

وكان أبو الدرداء رضي اللَّه عنه يرى إباحة تخليل الخمر، وكثير من العلماء يرون منع تخليلها، فإن تخللت بنفسها من غير تسبب لها في ذلك فهي حلال إجماعًا، قال ابن حجر في الفتح‏:‏ وكان أبو الدرداء وجماعة يأكلون هذا المري المعمول بالخمر‏.‏ وأدخله البخاري في طهارة صيد البحر، يريد أن السمك طاهر حلال، وأن طهارته وحله يتعدى إلى غيره كالملح‏.‏ حتى يصير الحرام النجس بإضافتها إليه طاهرًا حلالاً، وهذا رأي من يجوز تخليل الخمر وهو قول أبي الدرداء وجماعة‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه والظاهر منع أكل الضفادع مطلقًا؛ لثبوت النهي عن قتلها عن النبيّ صلى الله عليه وسلم فقد قال أبو داود في سننه‏:‏ حدّثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمان بن عثمان، أن طبيبًا سأل النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبيّ صلى الله عليه وسلم عن قتلها‏.‏

وقال النسائي في ‏"‏ سننه ‏"‏‏:‏ أخبرنا قتيبة قال‏:‏ حدّثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيّب، عن عبد الرحمان بن عثمان، أن طبيبًا ذكر ضفدعًا في دواء عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فنهى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن قتله‏.‏

وقال النووي في ‏"‏شرح المهذب‏"‏‏:‏ وأما حديث النهي عن قتل الضفدع فرواه أبو داود بإسناد حسن، والنسائي بإسناد صحيح، من رواية عبد الرحمان بن عثمان بن عبيد اللَّه التيمي الصحابي وهو ابن أخي طلحة بن عبيد اللَّه، قال‏:‏ سأل طبيب النبيّ صلى الله عليه وسلم عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه عن قتلها وسيأتي لتحريم أكل الضفدع زيادة بيان إن شاء اللَّه في سورة ‏"‏الأنعام‏"‏ في الكلام على قوله‏:‏

‏{‏قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا‏}‏‏.‏

وما ذكرنا من تحريم الضفدع مطلقًا قال به الإمام أحمد وجماعة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، ونقل العبدري عن أبي بكر الصدِّيق وعمر وعثمان وابن عباس رضي اللَّه عنهم، أن جميع ميتات البحر كلها حلال إلا الضفدع، قاله النووي‏.‏

ونقل عن أحمد رحمه اللَّه ما يدلّ على أن التمساح لا يؤكل، وقال الأوزاعي لا بأس به لمن اشتهاه‏.‏

وقال ابن حامد‏:‏ لا يؤكل التمساح، ولا الكوسج؛ لأنهما يأكلان الناس‏.‏ وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره‏:‏ أنه قال‏:‏ كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر، وذلك لنهي النبيّ صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع‏.‏

وقال أبو علي النجاد ما حرّم نظيره في البرّ فهو حرام في البحر ككلب الماء، وخنزيره، وإنسانه، وهو قول الليث إلاّ في الكلب، فإنه يرى إباحة كلب البرّ والبحر قاله ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏، ومنع بعض العلماء أكل السلحفاة البحرية، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏ تنبيــه

الدم أصله دمي، يائي اللام وهو من الأسماء التي حذفت العرب لامها ولم تعوض عنها شيئًا، وأعربتها على العين، ولامه ترجع عند التصغير، فتقول دمي بإدغام ياء التصغير في ياء لام الكلمة، وترجع أيضًا في جمع التكسير، فالهمزة في الدماء مبدلة من الياء التي هي لام الكلمة، وربما ثبتت أيضًا في التثنية، ومنه قول سحيم الرياحي‏:‏ ولو أنّا على حجر ذبحنا جرى الدميان بالخبر اليقين

وكذلك تثبت لامه في الماضي والمضارع، والوصف في حالة الاشتقاق منه فتقول‏:‏ في الماضي دميت يده كرضي، ومنه قوله‏:‏ هل أنت إلا إصبع دميت ** وفي سبيل اللَّه ما لقيت

وتقول في المضارع يدمى بإبدال الياء ألفًا كما في يرضى ويسعى ويخشى ومنه قول الشاعر‏:‏ ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ** ولكن على أقدامنا تقطر الدما

وتقول في الوصف أصبح جرحه داميًا ومنه قول الراجز‏:‏ نرد أولاها على أُخراها نردها دامية كلاها

والتحقيق أن لامه أصلها ياء، وقيل أصلها واو وإنما أبدلت ياء في الماضي لتطرفها بعد الكسر كما في قوي ورضي وشجي، التي هي واويات اللام في الأصل؛ لأنها من الرضوان والقوة والشجو‏.‏

وقال بعضهم الأصل فيه دمي، بفتح الميم، وقيل‏:‏ بإسكانها، واللَّه تعالى أعلم‏.‏

‏{‏فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏، لم يبيّن هنا سبب اضطراره، ولم يبين المراد بالباغي والعادي، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن سبب الاضطرار المذكور المخمصة، وهي الجوع وهو قوله‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ‏}‏، وأشار إلى أن المراد بالباغي والعادي المتجانف للإثم، وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏‏.‏ والمتجانف‏:‏ المائل، ومنه قول الأعشى‏:‏ تجانف عن حجر اليمامة ناقتي ** وما قصدت من أهلها لسوائكا

فيفهم من الآية أن الباغي والعادي كلاهما متجانف لإثم، وهذا غاية ما يفهم منها‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ الإثم الذي تجانف إليه الباغي هو الخروج على إمام المسلمين، وكثيرًا ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام، والإثم الذي تجانف إليه العادي هو إخافة الطريق وقطعها على المسلمين، ويلحق بذلك كل سفر في معصية اللَّه‏.‏اهـ‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ إثم الباغي والعادي أكلهما المحرم مع وجود غيره، وعليه فهو كالتأكيد لقوله‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اضْطُرَّ‏}‏، وعلى القول الأول لا يجوز لقاطع الطريق والخارج على الإمام، الأكل من الميتة وإن خافا الهلاك، ما لم يتوبا، وعلى الثاني يجوز لهما لقاطع الطريق والخارج على الإِمام، الأكل من الميتة وإن خافا الهلاك، ما لم يتوبا وعلى الثاني يجوز لهما أكل الميتة إن خافا الهلاك، وإن لم يتوبا‏.‏

ونقل القرطبي عن قتادة، والحسن، والربيع، وابن زيد، وعكرمة، أن المعنى ‏{‏غَيْرَ بَاغٍ‏}‏، أي‏:‏ في أكله فوق حاجته، ‏{‏وَلاَ عَادٍ‏}‏، بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة، ويأكلها‏.‏

ونقل أيضًا عن السدي أن المعنى ‏{‏غَيْرَ بَاغٍ‏}‏، في أكلها شهوة وتلذذًا، ‏{‏وَلاَ عَادٍ‏}‏ باستيفاء الأكل إلى حد الشبع‏.‏

وقال القرطبي أيضًا، وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما‏:‏ المعنى ‏{‏غَيْرَ بَاغٍ‏}‏ على المسلمين، ‏{‏وَلاَ عَادٍ‏}‏ عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق، والخارج على السلطان، والمسافر في قطع الرحم، والغارة على المسلمين، وما شاكله، وهذا صحيح‏.‏ فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد يقال‏:‏ بغت المرأة تبغى بغاء إذا فجرت‏.‏

قال اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا‏}‏، وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد، والعرب تقول‏:‏ خرج الرجل في بغاء إبل له، أي‏:‏ في طلبها، ومنه قول الشاعر‏:‏ لا يمنعنك من بغا ** ء الخير تعقاد الرتائم

إن الأشائم كالأيا ** من والأيامن كالأشائم

وذكر القرطبي عن مجاهد‏:‏ أن المراد بالاضطرار في هذه الآية‏:‏ الإكراه على أكل المحرم، كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على لحم الخنزير وغيره من معصية اللَّه تعالى، وذكر أن المراد به عند الجمهور من العلماء المخمصة التي هي الجوع كما ذكرنا‏.‏

وقد قدمنا أن آية ‏{‏فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ‏}‏، مبينة لذلك وحكم الإكراه على أكل ما ذكر يؤخذ من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ‏}‏، بطريق الأولى، وحديث‏:‏ ‏"‏ إن اللَّه تجاوز لي عن أُمّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ‏"‏‏.‏

مسائل تتعلق بالاضطرار إلى أكل الميتـة

المسألة الأولى‏:‏ أجمع العلماء على أن المضطر له أن يأكل من الميتة ما يسد رمقه، ويمسك حباته، وأجمعوا أيضًا على أنه يحرم عليه ما زاد على الشبع، واختلفوا في نفس الشبع هل له أن يشبع من الميتة أو ليس له مجاوزة ما يسدّ الرمق، ويأمن معه الموت‏.‏

فذهب مالك رحمه اللَّه تعالى إلى أن له أن يشبع من الميتة ويتزود منها، قال في ‏"‏ موطئه ‏"‏‏:‏ إن أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة، أنه يأكل منها حتى يشبع، ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها‏.‏

قال ابن عبد البر‏:‏ حجة مالك أن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة، فإذا كانت حلالاً له أكل منها ما شاء حتى يجد غيرها، فتحرم عليه وذهب ابن الماجشون وابن حبيب من المالكية إلى أنه ليس له أن يأكل منها إلا قدر ما يسدّ الرمق ويمسك الحياة وحجتهما‏:‏ أن الميتة لا تباح إلا عند الضرورة، وإذا حصل سد الرمق انتفت الضرورة في الزائد على ذلك‏.‏

وعلى قولهما درج خليل بن إسحاق المالكي في ‏"‏مختصره‏"‏، حيث قال‏:‏ وللضرورة ما يسدّ غير ءادمي‏.‏


وقال ابن العربي‏:‏ ومحل هذا الخلاف بين المالكية فيما إذا كانت المخمصة نادرة، وأما إذا كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها‏.‏

ومذهب الشافعي على القولين المذكورين عن المالكية، وحجتهما في القولين كحجة المالكية فيهما، وقد بيناها‏.‏ والقولان المذكوران مشهوران عند الشافعية‏.‏

واختار المزني أنه لا يجاوز سد الرمق، ورجحه القفال وكثيرون‏.‏

وقال النووي‏:‏ إنه الصحيح‏.‏ ورجح أبو علي الطبري في الإفصاح والروياني وغيرهما حل الشبع، قاله النووي أيضًا‏.‏

وفي المسألة قول ثالث للشافعية وهو‏:‏ أنه إن كان بعيدًا من العمران حل الشبع وإلا فلا، وذكر إمام الحرمين والغزالي تفصيلاً في المسألة، وهو‏:‏ أنه إن كان في بادية وخاف إن ترك الشبع ألا يقطعها ويهلك، وجب القطع بأنه يشبع، وإن كان في بلد وتوقع طعامًا طاهرًا قبل عود الضرورة وجب القطع بالاقتصار على سدّ الرمق، وإن كان لا يظهر حصول طعام طاهر وأمكن الحاجة إلى العود إلى أكل الميتة مرة بعد أخرى إن لم يجد الطاهر، فهذا محل الخلاف‏.‏

قال النووي‏:‏ وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام والغزالي تفصيل حسن وهو الراجح، وعن الإمام أحمد رحمه اللَّه في هذه المسألة روايتان أيضًا‏.‏

قال ابن قدامة في المغني‏:‏ وفي الشبع روايتان‏.‏

أظهرهما‏:‏ لا يباح وهو قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي‏.‏

قال الحسن‏:‏ يأكل قدر ما يقيمه؛ لأن الآية دلت على تحريم الميتة، واستثني ما اضطرّ إليه فإذا اندفعت الضرورة فلم يحلّ له الأكل كحالة الابتداء‏.‏ ولأنه بعد سد الرمفق غير مضطر فلم يحل له الأكل للآية‏.‏ يحققه‏:‏ أنه بعد سدّ رمقه كهو قبل أن يضطر، وثم لم يبح له الأكل كذا هاهنا‏.‏

والثانية‏:‏ يباح له الشبع‏.‏ اختارها أبو بكر؛ لما روى جابر بن سمرة أن رجلاً نزل الحرّة فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته‏:‏ أسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله‏.‏ فقال حتى أسأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال‏:‏ ‏"‏هل عندك غنى يغنيك‏"‏ ‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏فكلوها‏"‏، ولم يفرق رواه أبو داود‏.‏ ويدلّ له أيضًا حديث الفجيع العامري عنده‏:‏ أن النبيّ أذن له في الميتة مع أنه يغتبق ويصطبح، فدلّ على أخذ النفس حاجتها من القوت منها؛ ولأن ما جاز سدّ الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح، ويحتمل أن يفرّق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال، فما كانت مستمرة كحالة الأعرابي الذي سأل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم جاز الشبع؛ لأنه إذا اقتصر على سدّ الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب، ولا يتمكن من البعد عن الميتة مخافة الضرورة المستقبلة ويفضي إلى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى تلفه، بخلاف التي ليست مستمرة، فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل واللَّه أعلم‏.‏ انتهى من المعنى بلفظه‏.‏

وقال إمام الحرمين‏:‏ وليس معنى الشبع أن يمتلىء حتى لا يجد مساغًا، ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطلق عليه اسم جائع أمسك‏.‏ اهـ‏.‏ قاله النووي‏.‏

المسألة الثانية‏:‏ حدّ الاضطرار المبيح لأكل الميتة، وهو الخوف من الهلاك علمًا أو ظنًا‏.‏

قال الزرقاني في شرح قول مالك في ‏"‏الموطأ‏"‏، فيمن يضطر إلى أكل الميتة اهـ‏.‏ وحدّ الاضطرار أن يخاف على نفسه الهلاك علمًا أو ظنًا، ولا يشترط أن يصير إلى حال يشرف معها على الموت، فإن الأكل عند ذلك لايفيد‏.‏

وقال النووي في ‏"‏ شرح المهذب ‏"‏‏:‏ الثانية في حدّ الضرورة‏.‏

قال أصحابنا‏:‏ لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي لتناول الميتة ونحوها قالوا ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك؛ فإن الأكل حينئذ لا ينفع، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها؛ لأنه غير مفيد، واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف عن المشي، أو عن الركوب، وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك‏.‏

فلو خاف حدوث مرض مخوف في جنسه فهو كخوف الموت، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين، وقيل‏:‏ إنهما قولان، ولو عيل صبره، وأجهده الجوع فهل يحل له الميتة ونحوها أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق ‏؟‏ فيه قولان ذكرهما البغوي وغيره، أصحهما‏:‏ الحلّ‏.‏

قال إمام الحرمين وغيره‏:‏ ولا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل، بل يكفي غلبة الظن‏.‏ انتهى منه بلفظه‏.‏

وقال ابن قدامة في ‏"‏ المغني ‏"‏‏:‏ إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل، قال أحمد‏:‏ إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من الجوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك، ولا يتقيد ذلك بزمن محصور‏.‏

وحدّ الاضطرار عند الحنفية هو أن يخاف الهلاك على نفسه أو على عضو من أعضائه يقينًا كان أو ظنًّا، واللَّه تعالى أَعلم‏.‏

المسألة الثالثة‏:‏ هل يجب الأكل من الميتة ونحوها إن خاف الهلاك، أو يباح من غير وجوب ‏؟‏ اختلف العلماء في ذلك، وأظهر القولين الوجوب؛ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا‏}‏‏.‏

ومن هنا قال جمع من أهل الأصول‏:‏ إن الرخصة قد تكون واجبة، كأكل الميتة عند خوف الهلاك لو لم يأكل منها، وهو الصحيح من مذهب مالك، وهو أحد الوجهين للشافعية، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة أيضًا، وهو اختيار ابن حامد، وهذا هو مذهب أبي حنيفة رحمهم اللَّه، وقال مسروق‏:‏ من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات، دخل النار، إلا أن يعفو اللَّه عنه‏.‏

وقال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا‏:‏ وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيًا، نقله القرطبي وغيره‏.‏

وممن اختار عدم الوجوب ولو أدّى عدم الأكل إلى الهلاك أبو إسحاق من الشافعية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة رحمهم اللَّه وغيرهم، واحتجّوا بأن له غرضًا صحيحًا في تركه وهو اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة‏.‏

وقال ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏ في وجه كل واحد من القولين، ما نصه‏:‏ وهل يجب الأكل من الميتة على المضطر فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يجب وهو قول مسروق، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي‏.‏

قال الأثرم‏:‏ سئل أبو عبد اللَّه عن المضطرّ يجد الميتة ولم يأكل، فذكر قول مسروق‏:‏ من اضطر فلم يأكل ولم يشرب دخل النار‏.‏ وهذا اختيار ابن حامد، وذلك لقول اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ‏}‏، وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة، وقال اللَّه تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا‏}‏؛ ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحلّه اللَّه فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال‏.‏

والثاني‏:‏ لا يلزمه؛ لما روى عن عبد اللَّه بن حذافة السهمي صاحب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أن طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمرًا ممزوجًا بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته، فأخرجوه فقال‏:‏ قد كان اللَّه أحلّه لي؛ لأنّي مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام؛ ولأن إباحة الأكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص؛ ولأن له غرضًا في اجتناب النجاسة والأخذ بالعزيمة،

وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه‏.‏

وقد قدمنا أن أظهر القولين دليلاً وجوب تناول ما يمسك الحياة؛ لأن الإنسان لا يجوز له إهلاك نفسه، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏

المسألة الرابعة‏:‏ هل يقدم المضطر الميتة أو مال الغير ‏؟‏

اختلف العلماء في ذلك‏:‏ فذهب مالك إلى أنه يقدم مال الغير إن لم يخف أن يجعل سارقًا ويحكم عليه بالقطع‏.‏ ففي ‏"‏موطئه‏"‏، ما نصه‏:‏ وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة أيأكل منها وهو يجد ثمرًا لقوم أو زرعًا أو غنمًا بمكانه ذلك ‏؟‏‏.‏

قال مالك‏:‏ إن ظن أن أهل ذلك الثمر، أو الزرع، أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقًا فتقطع يده، رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يردّ جوعه ولا يحمل منه شيئًا، وذلك أحبّ إليّ من أن يأكل الميتة‏.‏

وإن هو خشي ألا يصدقوه، وأن يعد سارقًا بما أصاب من ذلك؛ فإن أكل الميتة خير له عندي، وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة، مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون اضطرار‏.‏ قال مالك‏:‏ وهذا أحسن ما سمعت‏.‏ اهـ‏.‏

وقال ابن حبيب‏:‏ إن حضر صاحب المال فحق عليه أن يأذن له في الأكل؛ فإن منعه فجائز للذي خاف الموت أن يقاتله حتى يصل إلى أكل ما يرد نفسه‏.‏

الباجي‏:‏ يريد أنه يدعوه أولاً إلى أن يبيعه بثمن في ذمته، فإن أبى استطعمه، فإن أبى، أعلمه أنه يقاتله عليه‏.‏

وقال خليل بن إسحاق المالكي في ‏"‏مختصره‏"‏، الذي قال فيه مبينًا لما به الفتوى عاطفًا على ما يقدم المضطر على الميتة وطعام غير إن لم يخف القطع، وقاتل عليه‏.‏ هذا هو حاصل المذهب المالكي في هذه المسألة‏.‏

ومذهب الشافعي فيها‏:‏ هو ما ذكره النووي في ‏"‏شرح المهذب‏"‏، بقوله‏:‏ المسألة الثامنة‏:‏ إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير وهو غائب فثلاثة أوجه‏.‏ وقيل ثلاثة أقوال‏:‏ أصحها يجب أكل الميتة، والثاني يجب أكل الطعام، والثالث يتخيّر بينهما‏.‏

وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق اللَّه تعالى وحقّ الآدمي ولو كان صاحب الطعام حاضرًا، فإن بذله بلا عوض أو بثمن مثله أو بزيادة يتغابن الناس بمثلها ومعه ثمنه أو رضي بذمته لزمه القبول، ولم يجز أكل الميتة، فإن لم يبعه إلا بزيادة كثيرة فالمذهب والذي قطع به العراقيون والطبريون وغيرهم‏:‏ أنه لا يلزمه شراؤه ولكن يستحب، وإذا لم يلزمه الشراء فهو كما إذا لم يبذله أصلاً، وإذا لم يبذله لم يقاتله عليه المضطر إن خاف من المقاتلة على نفسه، أو خاف هلاك المالك في المقاتلة، بل يعدل إلى الميتة، وإن كان لا يخاف؛ لضعف المالك وسهولة دفعه فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان غائبًا، هذا كله تفريع على المذهب الصحيح‏.‏

وقال البغوي‏:‏ يشتريه بالثمن الغالي، ولا يأكل الميتة ثم يجىء الخلاف السابق في أنه يلزمه المسمى أو ثمن المثل، قال وإذا لم يبذل أصلاً وقلنا طعام الغير أولى من الميتة يجوز أن يقاتله ويأخذه قهرًا، واللَّه أعلم‏.‏

حاصل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة أنه يقدم الميتة على طعام الغير‏.‏

قال الخرقي في ‏"‏مختصره‏"‏‏:‏ ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزًا لا يعرف مالكه أكل الميتة‏.‏ اهـ‏.‏

وقال ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏، في شرحه لهذا الكلام ما نصه‏:‏ وبهذا قال سعيد بن المسيّب، وزيد بن أسلم‏.‏

وقال مالك‏:‏ إن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر، وشرب اللبن، وإن خاف أن تقطع يده أو لا يقبل منه أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ يأكل الطعام وهو قول عبد اللَّه بن دينار؛ لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة كما لو بذله له صاحبه‏.‏

ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه، والعدول إلى المنصوص عليه أولى؛ ولأن حقوق اللَّه تعالى مبنيّة على المسامحة والمساهلة وحقوق الآدمي مبنيّة على الشحّ والتضييق؛ ولأن حق الآدمي تلزمه غرامته وحقّ اللَّه لا عوض له‏.‏

المسألة الخامسة‏:‏ إذا كان المضطر إلى الميتة محرمًا وأمكنه الصيد فهل يقدم الميتة أو الصيد ‏؟‏‏.‏

اختلف العلماء في ذلك، فذهب مالك وأبو حنيفة رحمهم اللَّه والشافعي، في أصح القولين‏:‏ إلى أنه يقدم الميتة‏.‏

وعن الشافعي رحمه اللَّه تعالى قول بتقديم الصيد وهو مبنيّ على القول‏:‏ بأن المحرم إن ذكّى صيدًا لم يكن ميتة‏.‏

والصحيح أن ذكاة المحرم للصيد لغو ويكون ميتة، والميتة أخف من الصيد للمحرم؛ لأنه يشاركها في اسم الميتة ويزيد بحرمة الاصطياد، وحرمة القتل، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء اللَّه في سورة ‏"‏المائدة‏"‏‏.‏

وممن قال بتقديم الصيد للمحرم على الميتة أبو يوسف، والحسن، والشعبي، واحتجوا بأن الصيد يجوز للمحرم عند الضرورة، ومع جوازه والقدرة عليه تنتفي الضرورة فلا تحلّ الميتة‏.‏

واحتجّ الجمهور بأن حلّ أكل الميتة عند الضرورة منصوص عليه، وإباحة الصيد للضرورة مجتهد فيها، والمنصوص عليه أولى، فإن لم يجد المضطر إلاّ صيدًا وهو محرم فله ذبحه وأكله، وله الشبع منه على التحقيق، لأنه بالضرورة وعدم وجود غيره صار مذكى ذكاة شرعية، طاهرًا حلالاً فليس بميتة، ولذا تجب ذكاته الشرعية، ولا يجوز قتله، والأكل منه بغير ذكاة‏.‏

ولو وجد المضطر ميتة ولحم خنزير أو لحم إنسان ميت فالظاهر تقديم الميتة على الخنزير ولحم الآدمي‏.‏

قال الباجي‏:‏ إن وجد المضطر ميتة وخنزيرًا فالأظهر عندي أن يأكل الميتة؛ لأن الخنزير ميتة ولا يباح بوجه، وكذلك يقدم الصيد على الخنزير والإنسان على الظاهر، ولم يجز عند المالكية أكل الإنسان للضرورة مطلقًا وقتل الإنسان الحي المعصوم الدم لأكله عند الضرورة حرام إجماعًا، سواء كان مسلمًا، أو ذميًا‏.‏ وإن وجد إنسان معصوم ميتًا فهل يجوز لحمه عند الضرورة، أو لا يجوز ‏؟‏ منعه المالكية والحنابلة وأجازه الشافعية وبعض الحنفية‏.‏

واحتجّ الحنابلة لمنعه لحديث‏:‏ ‏"‏كسر عظم الميت ككسر عظم الحي‏"‏، واختار أبو الخطاب منهم جواز أكله، وقال لا حجة في الحديث هاهنا؛ لأن الأكل من اللحم لا من العظم، والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة لا في مقدارها بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص، ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت، قاله في ‏"‏المغني‏"‏‏.‏

ولو وجد المضطر ءادميًّا غير معصوم كالحربي والمرتد فله قتله والأكل منه عند الشافعية، وبه قال القاضي من الحنابلة واحتجوا بأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع‏.‏ واللَّه تعالى أعلم‏.‏

المسألة السادسة‏:‏ هل يجوز للمضطر أن يدفع ضرورته بشرب الخمر ‏؟‏ فيه للعلماء أربعة أقوال‏:‏

الأول‏:‏ المنع مطلقًا‏.‏

الثاني‏:‏ الإباحة مطلقًا‏.‏

الثالث‏:‏ الإباحة في حالة الاضطرار إلى التداوي بها دون العطش‏.‏

الرابع‏:‏ عكسه‏.‏

وأصح هذه الأقوال عند الشافعية المنع مطلقًا‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه الظاهر إن التداوي بالخمر لا يجوز؛ لما رواه مسلم في ‏"‏صحيحه‏"‏، من حديث وائل بن حجر رضي اللَّه عنه‏:‏ أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله طارق بن سويد الجعفي عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها فقال‏:‏ إنما أصنعها للدواء، فقال‏:‏ ‏"‏إنه ليس بدواء ولكنه داء ‏"‏‏.‏ والظاهر إباحتها؛ لإساغة غصة خيف بها الهلاك؛ وعليه جلّ أهل العلم، والفرق بين إساغة الغصة وبين شربها للجوع أو العطش أن إزالتها للغصة معلومة وأنها لا يتيقن إزالتها للجوع أو العطش‏.‏

قال الباجي‏:‏ وهل لمن يجوز له أكل الميتة أن يشرب لجوعه أو عطشه الخمر ‏؟‏ قال مالك لا يشربها ولن تزيده إلا عطشًا‏.‏

وقال ابن القاسم‏:‏ يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل، وقاله ابن وهب‏.‏

وقال ابن حبيب‏:‏ من غص بطعام وخاف على نفسه، فإن له أن يجوزه بالخمر، وقاله أبو الفرج‏.‏

أما التداوي بها فمشهور المذهب أنه لا يحل‏:‏

وإذا قلنا‏:‏ إنه لا يجوز التداوي بها ويجوز استعمالها لإساغة الغصة فالفرق أن التداوي بها لا يتيقن به البرء من الجوع والعطش‏.‏ اهـ‏.‏ بنقل المواق في شرح قول خليل وخمر لغصة، وما نقلنا عن مالك من أن الخمر لا تزيد إلا عطشًا نقل نحوه النووي عن الشافعي، قال‏:‏ وقد نقل الروياني أن الشافعي رحمه اللَّه نص على المنع من شربها للعطش؛ معللاً بأنها تجيع وتعطش‏.‏

وقال القاضي أبو الطيب‏:‏ سألت من يعرف ذلك فقال الأمر كما قال الشافعي‏:‏ إنها تروي في الحال ثم تثير عطشًا عظيمًا‏.‏

وقال القاضي حسين في ‏"‏تعليقه‏"‏‏:‏ قالت الأطباء الخمر تزيد في العطش وأهل الشرب يحرصون على الماء البارد، فجعل بما ذكرناه أنها لا تنفع في دفع العطش‏.‏

وحصل بالحديث الصحيح السابق في هذه المسألة أنها لا تنفع في الدواء فثبت تحريمها مطلقًا واللَّه تعالى أعلم‏.‏ اهـ من ‏"‏شرح المهذب‏"‏‏.‏

وبه تعلم أن ما اختاره الغزالي وإمام الحرمين من الشافعية، والأبهري من المالكية، من جوازها للعطش خلاف الصواب وما ذكره إمام الحرمين والأبهري من أنها تنفع في العطش خلاف الصواب أيضًا، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏

ومن مر ببستان لغيره فيه ثمار وزرع، أو بماشية فيها لبن، فإن كان مضطرًا اضطرارًا يبيح الميتة فله الأكل بقدر ما يرد جوعه إجماعًا، ولا يجوز له حمل شىء منه وإن كان غير مضطر، فقد اختلف العلماء في جواز أكله منه‏.‏

فقيل‏:‏ له أن يأكل في بطنه من غير أن يحمل منه شيئًا، وقيل ليس له ذلك، وقيل‏:‏ بالفرق بين المحوط عليه فيمنع، وبين غيره فيجوز، وحجة من قال بالمنع مطلقًا ما ثبت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم من عموم قوله‏:‏ ‏"‏إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا‏"‏، وعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا‏}‏، ونحو ذلك من الأدلّة‏.‏


وحجة من قال بالإباحة مطلقًا ما أخرجه أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثًا، فإن أجاب فليستأذنه، فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل ‏"‏ اهـ‏.‏

وما رواه الترمذي عن يحيىا بن سليم عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ من دخل حائطًا فليأكل ولا يتّخذ خبنة ‏"‏، قال‏:‏ هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيىا بن سليم‏.‏ وما رواه الترمذي أيضًا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الثمر المعلق فقال‏:‏ ‏"‏ من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شىء عليه ‏"‏ قال‏:‏ فيه حديث حسن‏.‏

وما روي عن عمر رضي اللَّه عنه أنه قال‏:‏ ‏"‏ إذا مر أحدكم بحائط فليأكل منه، ولا يتّخذ ثبانًا ‏"‏‏.‏

قال أبو عبيد‏:‏ قال أبو عمرو هو يحمل الوعاء الذي يحمل فيه الشىء، فإن حملته بين يديك فهو ثبان، يقال قد تثبنت ثبانًا، فإن حملته على ظهرك فهو الحال، يقال منه قد تحولت كسائي، إذا جعلت فيه شيئًا ثم حملته على ظهرك،

فإن جعلته في حضنك فهو خبنة ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع‏:‏ ‏"‏ ولا يتخذ خبنة ‏"‏ يقال فيه خبنت أخبن خبنًا، قاله القرطبي‏.‏

وما روي عن أبي زينب التيمي، قال‏:‏ سافرت مع أنس بن مالك، وعبد الرحمان بن سمرة، وأبي بردة، فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون بأفواههم، نقله صاحب ‏"‏ المغني ‏"‏‏)‏، وحمل أهل القول الأول هذه الأحاديث والآثار على حال الضرورة، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن عباد بن شرحبيل اليشكري الغبري رضي اللَّه عنه قال‏:‏ أصابتنا عامًا مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطًا من حيطانها فأخذت سنبلاً ففركته وأكلته وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فأخبرته فقال‏:‏ ‏"‏ ما أطعمته إذ كان جائعًا أو ساغبًا، ولا علمته إذ كان جاهلاً ‏"‏، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم فردّ إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام، أو نصف وسق، فإن في هذا الحديث الدلالة على أن نفي القطع والأدب إنما هو من أجل المخمصة‏.‏

وقال القرطبي في ‏"‏ تفسيره ‏"‏، عقب نقله لما قدّمنا عن عمر رضي اللَّه عنه قال أبو عبيد‏:‏ وإنما يوجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر، الذي لا شىء معه يشتري به، ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته ثم قال‏:‏ قلت‏:‏ لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه‏.‏

فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أول الإسلام أو كما هو الآن في بعض البلدان فذلك جائز‏.‏ ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة، كما تقدم، واللَّه أعلم‏.‏اهـ منه‏.‏

وحجة من قال بالفرق بين المحوط وبين غيره، أن إحرازه بالحائط دليل على شحّ صاحبه به وعدم مسامحته فيه، وقول ابن عباس إن كان عليها حائط فهو حرام فلا تأكل، وإن لم يكن عليها حائط فلا بأس، نقله صاحب ‏"‏المغني‏"‏، وغيره‏.‏ وما ذكره بعض أهل العلم من الفرق بين مال المسلم فيجوز عند الضرورة وبين مال الكتابي ‏(‏ الذمي ‏)‏ فلا يجوز بحال غير ظاهر‏.‏

ويجب حمل حديث العرباض بن سارية عند أبي داود الوارد في المنع من دخول بيوت أهل الكتاب، ومنع الأكل من ثمارهم إلا بإذن على عدم الضرورة الملجئة إلى أكل الميتة، والعلم عند اللَّه تعالى‏.‏

‏{‏لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ‏}‏

، وَءَاتَى الْمَالَ عَلَىا حُبِّهِ لم يبيّن هنا هل هذا المصدر مضاف إلى فاعله فيكون الضمير عائدًا إلى ‏{‏مَنْ أَتَى الْمَالَ‏}‏، والمفعول محذوفًا، أو مضاف إلى مفعوله فيكون الضمير عائدًا إلى المال ولكنه ذكر في موضع آخر ما يدل على أن المصدر مضاف إلى فاعله، وأن المعنى ‏{‏عَلَىا حُبّهِ‏}‏، أي حب مؤتي المال لذلك المال وهو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ‏}‏‏.‏ ولا يخفى أن بين القولين تلازمًا في المعنى‏.‏

‏{‏وَحِينَ الْبَأْسِ‏}‏، لم يبيّن هنا ما المراد بالبأس ‏؟‏‏.‏

ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البأس القتال، وهو قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاَّ قَلِيلاً‏}‏‏.‏ كما هو ظاهر من سياق الكلام‏.‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏ قال بعض العلماء هي ثلاثة من كل شهر، وعاشوراء‏.‏

وقال بعض العلماء هي رمضان، وعلى هذا القول فقد بيّنها تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ‏}‏‏.‏

‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏

، شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِىا أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ لم يبيّن هنا هل أنزل في الليل منه أو النهار ‏؟‏ ولكنه بيّن في غير هذا الموضع أنه أنزل في ليلة القدر من رمضان وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ‏}‏؛ لأن الليلة المباركة هي ليلة القدر على التحقيق وفي معنى إنزاله وجهان‏:‏

الأول‏:‏ أنه أنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا، كما ثبت عن ابن عباس رضي اللَّه عنهما‏.‏

والثاني‏:‏ أن معنى إنزاله فيها ابتداء نزوله كما قال به بعضهم‏.‏

‏{‏وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ‏}‏

، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ذكر في هذه الآية أنه جلّ وعلا قريب يجيب دعوة الداعي وبيّن في آية أخرى تعليق ذلك على مشيئته جلّ وعلا وهي قوله‏:‏ ‏{‏بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ‏}‏‏.‏

وقال بعضهم التعليق بالمشيئة في دعاء الكفار كما هو ظاهر سياق الآية، والوعد المطلق في دعاء المؤمنين‏.‏ وعليه فدعاؤهم لا يرد، إما أن يعطوا ما سألوا أو يدخر لهم خير منه أو يدفع عنهم من السوء بقدره‏.‏

وقال بعض العلماء‏:‏ المراد بالدعاء العبادة وبالإجابة الثواب، وعليه فلا إشكال‏.‏

‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏

، وَاشْرَبُواْ حَتَّىا يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ بينه قوله‏:‏ ‏{‏مِنَ الْفَجْرِ‏}‏، والعرب تسمى ضوء الصبح خيطًا، وظلام الليل المختلط به خيطًا، ومنه قول أبي دواد الإيادي‏:‏

فلما أضاءت لنا سدفة ** ولاح من الصبح خيط أنارا

وقول الآخر‏:‏

الخيط الابيض ضوء الصبح منفلق والخيط الاسود جنح الليل مكتوم

‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏

، وَلَـاكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىا لم يصرح هنا بالمراد بمن اتقى، ولكنه بينه بقوله‏:‏ ‏{‏لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ‏}‏، والكلام في الآية على حذف مضاف أي ولكن ذا البر من اتقى، وقيل ولكن البر برّ من اتقى، ونظير الآية في ذلك من كلام العرب قول الخنساء‏:‏

لا تسأم الدهر منه كلما ذكرت فإنما هي إقبال وإدبار

أي ذات إقبال، وقول الشاعر‏:‏

وكيف تواصل من أصبحت خلالته كأبي مرحب

أي كخلالة أبي مرحب‏.‏ وقول الآخر‏:‏

لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ولكنما الفتيان كل فتى ندى

أي ليس الفتيان فتيان نبات اللحى‏.‏

‏{‏وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ‏}‏

، وَقَـاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَـاتِلُونَكُمْ فيه ثلاثة أوجه للعلماء‏:‏

الأول‏:‏ أن المراد بالذين يقاتلونكم من شأنهم القتال، أي دون غيرهم، كالنساء، والصبيان، والشيوخ الفانية، وأصحاب الصوامع‏.‏

الثاني‏:‏ أنها منسوخة بآيات السيف الدّالة على قتالهم مطلقًا‏.‏

الثالث‏:‏ أن المراد بالآية تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم‏:‏ هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم، وأعداؤكم الذين يقاتلونكم، وأظهرها الأول وعلى القول الثالث فالمعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَآفَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ‏}‏‏.‏

‏{‏وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏

‏.‏ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ اختلف العلماء في المراد بالإحصار في هذه الآية الكريمة فقال قوم‏:‏ هو صدّ العدو المحرم ومنعه إياه من الطواف بالبيت‏.‏

وقال قوم‏:‏ المراد به حبس المحرم بسبب مرض ونحوه‏.‏

وقال قوم‏:‏ المراد به ما يشمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك‏.‏

ولكن قوله تعالى بعد هذا‏:‏ ‏{‏فَإِذَا أَمِنتُمْ‏}‏، يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد العدو المحرم؛ لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف لا إلى الشفاء من المرض، ونحو ذلك، ويؤيّده أنه لم يذكر الشىء الذي منه الأمن، فدلّ على أن المراد به ما تقدم من الإحصار، فثبت أنه الخوف من العدوّ، فما أجاب به بعض العلماء من أن الأمن يطلق على الأمن من المرض، كما في حديث ‏"‏ من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص، واللوص، والعلوص ‏"‏، أخرجه ابن ماجه في سننه فهو ظاهر السقوط، لأن الأمن فيه مقيد بكونه من المرض، فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف‏.‏ وقد يجاب أيضًا بأنه يخاف وقوع المذكور من الشوص الذي هو وجع السن، واللوص الذي هو وجه الأذن، والعلوص الذي هو وجع البطن؛ لأنه قبل وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من وقوعها؛ فإذا أمن من وقوعها به فقد أمن من خوف‏.‏

أما لو كانت وقعت به بالفعل فلا يحسن أن يقال أمن منها؛ لأن الخوف في لغة العرب هو الغم من أمر مستقبل، لا واقع بالفعل، فدلّ هذا على أن زعم إمكان إطلاق الأمن على الشفاء من المرض خلاف الظاهر‏.‏ وحاصل تحرير هذه المسألة في مبحثين‏:‏

الأول‏:‏ في معنى الإحصار في اللغة العربية‏.‏

الثاني‏:‏ في تحقيق المراد به في الآية الكريمة وأقوال العلماء وأدلتها في ذلك، ونحن نبيّن ذلك كله إن شاء اللَّه تعالى‏.‏

اعلم أن أكثر علماء العربية يقولون‏:‏ إن الإحصار هو ما كان عن مرض أو نحوه، قالوا‏:‏ تقول العرب‏:‏ أحصره المرض يُحصِره بضم الياء وكسر الصاد إحصارًا، وأما ما كان من العدو فهو الحصر، تقول العرب حصر العدو يَحصُره بفتح الياء وضم الصاد حَصْرًا بفتح فسكون، ومن إطلاق الحصر في القرءان على ما كان من العدو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ‏}‏، ومن إطلاق الإحصار على غير العدوّ كما ذكرنا عن علماء العربية‏.‏

‏{‏لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏‏.‏ وقول ابن ميادة‏:‏ وما هجر ليلى أن تكون تباعدت عليك ولا أن أحصرتك شغول

وعكس بعض علماء العربية‏.‏

فقال‏:‏ الإحصار من العدو، والحصر من المرض، قاله ابن فارس في ‏"‏المجمل‏"‏، نقله عنه القرطبي‏.‏ ونقل البغوي نحوه عن ثعلب‏.‏

وقال جماعة من علماء العربية‏:‏ إن الإحصار يستعمل في الجميع، وكذلك الحصر، وممن قال باستعمال الإحصار في الجميع الفرّاء، وممن قال‏:‏ بأن الحصر والإحصار يستعملان في الجميع أبو نصر القشيري‏.‏

قال مقيده عفا اللَّه عنه لا شك في جواز إطلاق الإحصار على ما كان من العدوّ كما سترى تحقيقه إن شاء اللَّه، هذا حاصل كلام أهل العربية في معنى الإحصار‏.‏ وأما المراد به في الآية الكريمة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال‏:‏

الأول‏:‏ أن المراد به حصر العدوّ خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزبير وهو قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير رضي اللَّه عنهم وبه قال مروان وإسحاق وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي رحمهم اللَّه‏.‏

وعلى هذا القول أن المراد بالإحصار ما كان من العدوّ خاصة، فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل حتى يبرأ من مرضه، ويطوف بالبيت ويسعى، فيكون متحلّلاً بعمرة، وحجة هذا القول متركبة من أمرين‏:‏

الأول‏:‏ أن الآية الكريمة التي هي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ‏}‏، نزلت في صد المشركين النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ستّ بإطباق العلماء‏.‏

وقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص، فشمول الآية الكريمة لإحصار العدو، الذي هو سبب نزولها قطعي فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه؛ وروي عن مالك رحمه اللَّه أن صورة سبب النزول ظنية الدخول لا قطعيته، وهو خلاف قول الجمهور وإليه أشار في ‏"‏مراقي السعود‏"‏ بقوله‏:‏ واجزم بإدخال ذوات السبب وارو عن الإمام ظنا تصب

وبهذا تعلم أن إطلاق الإحصار بصيغة الرباعي على ما كان من عدو صحيح في اللغة العربية بلا شك كما ترى، وأنه نزل به القرءان العظيم الذي هو في أعلى درجات الفصاحة والإعجاز‏.‏

الأمر الثاني‏:‏ ما ورد من الآثار في أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلّل إلا بالطواف والسعي، فمن ذلك ما رواه الشافعي في ‏"‏مسنده‏"‏، والبيهقي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ لا حصر إلا حصر العدوّ‏.‏

قال النووي في ‏"‏شرح المهذب‏"‏‏:‏ إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، وصححه أيضًا ابن حجر، ومن ذلك ما رواه البخاري والنسائي عن ابن عمر أنه كان يقول‏:‏ ‏"‏ أليس حسبكم سنة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شىء حتى يحج عامًا قابلاً فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديًا ‏"‏ ومن ذلك ما رواه مالك في ‏"‏الموطأ‏"‏، والبيهقي عن ابن عمر أنه قال‏:‏ ‏"‏ المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى لبس شىء من الثياب التي لا بدّ له منها أو الدواء صنع ذلك وافتدى ‏"‏ ومن ذلك ما رواه مالك في ‏"‏الموطأ‏"‏‏.‏ والبيهقي أيضًا عن أيوب السختياني عن رجل من أهل البصرة كان قديمًا أنه قال‏:‏ خرجت إلى مكة حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة وبها عبد اللَّه بن عباس، وعبد اللَّه بن عمر، والناس فلم يرخص لي أحد أن أُحل، فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر حتى أحللت بعمرة‏.‏ والرجل البصري المذكور الذي أبهمه مالك‏.‏ قال ابن عبد البر‏:‏ هو أبو قلابة عبد اللَّه بن زيد الجرمي، شيخ أيوب ومعلمه كما رواه حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة،

ورواه ابن جرير من طرق، وسمى الرجل يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير‏.‏

ومن ذلك ما رواه مالك في ‏"‏الموطأ‏"‏ والبيهقي أيضًا عن سليمان بن يسار‏:‏ ‏"‏ أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم، فسأل، على الماء الذي كان عليه، عن العلماء، فوجد عبد اللَّه بن عمر، وعبد اللَّه بن الزبير، ومروان بن الحكم، فذكر لهم الذي عرض له فكُلُّهُم أمره أن يتداوى بما لا بد له منه، ويفتدي فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه، ثم عليه حج قابل ويهدي ما استيسر من الهدي ‏"‏‏.‏

قال مالك‏:‏ وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو، وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب الأنصاري، وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج وأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة ثم يرجعا حلالاً، ثم يحجان عامًا قابلاً ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله‏.‏

ومن ذلك ما رواه مالك في ‏"‏الموطأ‏"‏، والبيهقي أيضًا عن عائشة رضي اللَّه عنها أنها كانت تقول‏:‏ ‏"‏المحرم لا يحله إلا البيت‏"‏ والظاهر أنها تعني غير المحصر بعدو، كما جزم به الزرقاني في ‏"‏شرح الموطأ‏"‏، هذا هو حاصل أدلة القول بأن المراد بالإحصار في الآية هو ما كان من خصوص العدو دون ما كان من مرض ونحوه‏.‏

القول الثاني‏:‏ في المراد بالإحصار أنه يشمل ما كان من عدو ونحوه، وما كان من مرض ونحوه، من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم‏.‏ وممن قال بهذا القول ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، وعروة بن الزبير، وإبراهيم النخعي، وعلقمة، والثوري، والحسن، وأبو ثور، وداود وهو مذهب أبي حنيفة‏.‏ وحجة هذا القول من جهة شموله لإحصار العدوّ قد تقدمت في حجة الذي قبله‏.‏

وأما من جهة شموله للإحصار بمرض فهي ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي عن عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري رضي اللَّه عنه قال‏:‏ سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، يقول‏:‏ ‏"‏من كسر أو عرج فقد حلّ وعليه حجّة أخرى‏"‏ فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا‏:‏ صدق‏.‏

وفي رواية لأبي داود وابن ماجه‏:‏ ‏"‏من عرج، أو كسر، أو مرض‏"‏، فذكر معناه‏.‏

وفي رواية ذكرها أحمد في رواية المروزي‏:‏ ‏"‏من حبس بكسر أو مرض‏"‏، هذا الحديث سكت عليه أبو داود، والمنذري، وحسنه الترمذي‏.‏

وقال النووي في ‏"‏شرح المهذب‏"‏، بعد أن ساق حديث عكرمة هذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة، وبهذا تعلم قوة حجة أهل هذا القول، ورد المخالفون الاحتجاج بحديث عكرمة هذا من وجهين‏:‏

الأول‏:‏ ما ذكره البيهقي في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏، قال‏:‏ وقد حمله بعض أهل العلم إن صح على أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض‏.‏ فقد روينا عن ابن عباس ثابتًا عنه، قال‏:‏ لا حصر إلا حصر عدوّ واللَّه أعلم‏.‏ انتهى منه بلفظه‏.‏


 

القرآن وعلومه - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1-3)