23 تموز 2010


وقد أجمع العلماء‏:‏ على أن الرجل إن مات وليس له من القرباء إلا ابن كافر، أن إرثه يكون للمسلمين بأخوة الإسلام

ولا يكون لولده لصلبه الذي هو كافر، والميراث دليل القرابة‏.‏ فدل ذلك على أن الأخوة الدينية أقرب من النبوة النسبية‏.‏

وبالجملة، فلا خلاف بين المسلمين أن الرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض، وتربط بين أهل الأرض والسماء، هي رابطة ‏"‏لا إله إلا الله‏"‏ فلا يجوز البتة النداء برابطة غيرها‏.‏ ومن والى الكفار بالروابط النسبية محبة لهم، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى ‏{‏وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ‏}‏ والعلم عند الله تعالى‏.‏

وبالجملة ـ فالمصالح التي عليها مدار الشرائع ثلاثة‏:‏

الأولى ـ درء المفاسد المعروف عند أهل الأصول بالضروريات‏.‏

والثانية ـ جلب المصالح، المعروف عند أهل الأصول بالحاجيات‏.‏

والثالثة ـ الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، المعروف عند أهل الأصول بالتحسينيات والتتميمات‏.‏ وكل هذه المصالح الثلاث هدى فيها القرآن العظيم للطريق التي هي أقوم الطرق وأعد لها‏.‏

فالضروريات التي هي درء المفاسد ـ إنما هي درؤها عن ستة أشياء‏:‏

الأوَّل ـ الدين، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعد لها‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ‏}‏، وفي آية الأنفال‏:‏ ‏{‏وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه‏}‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ‏}‏، وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدو أن لا إله إلا الله‏"‏ الحديث، وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من بدل دينه فاقتلوه‏"‏ إلى غير ذلك من الأدلة على المحافظة على الدين‏.‏

والثاني ـ النفس، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليها بأقوم الطرق وأعدلها‏.‏ ولذلك أوجب القصاص درءًا للمفسدة عن الأنفس، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ

سُلْطَانًا‏}‏‏.‏

الثالث ـ العقل، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ‏}‏ إلى قوله ‏{‏فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ‏}‏‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كل مسكر حرام‏"‏، وقال‏:‏ ‏"‏ما أسكر كثيره فقليله حرام‏"‏ كما قدمنا ذلك مستوفى ‏"‏في سورة النحل‏"‏ وللمحافظة على العقل أوجب صلى الله عليه وسلم حد الشارب درءًا للمفسدة عن العقل‏.‏

الرابع ـ النسب، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها‏.‏ ولذلك حرم الزنى وأوجب فيه الحد الرادع، وأوجب العدة على النساء عند المفارقة بطلاق أو موت‏.‏ لئلا يختلط ماء رجل بماء آخر في رحم امرأة محافظة على الأنساب‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً‏}‏، ونحو ذلك من الآيات، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ‏}‏‏.‏ وقد قدمنا آية الرجم والأدلة الدالة على أنها منسوخة التلاوة باقية الحكم‏.‏ وقال تعالى في إيجاب العدة حفظًا للأنساب‏:‏ ‏{‏وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوَءٍ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً‏}‏ وإن كانت عدة الوفاة فيها شبه تعبد لوجوبها مع عدم الخلوة بين الزوجين‏.‏

ولأجل المحافظة على النسب منع سقي زرع الرجل بماء غيره‏.‏ فمنع نكاح الحامل حتى تضع، قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ‏}‏‏.‏

الخامس ـ العِرْض، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها‏.‏ فنهى المسلم عن أن يتكلم في أخيه بما يؤذيه، وأوجب عليه إن رماه بقرية حد القذف ثمانين جلدة‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً‏}‏‏.‏ وقبح جلَّ وعلا غيبة المسلم غاية التقبيح‏.‏ بقوله‏:‏ ‏{‏أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ‏}‏، وقال في إيجاب حد القاذف‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا‏}‏‏.‏

السادس ـ المال، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق واعدلها‏.‏ ولذلك منع أخذه بغير حق شرعي، وأوجب على السارق حد السرقة وهو قطع اليد كما تقدم‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ‏}‏‏.‏ وكل ذلك محافظة على المال ودرء للمفسدة عنه‏.‏

المصلحة الثانية ـ جَلْب المصالح، وقد جاء القرآن بجلب المصالح بأقوم الطرق وأعدلها‏.‏ ففتح الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين، قال تعالى ‏{‏فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ‏}‏ وقال‏:‏ ‏{‏لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ‏}‏‏.‏

ولأجل هذا جاء الشرع الكريم بإباحة المصالح المتبادلة بين أفراد المجتمع على الوجه المشروع‏.‏ ليستجلب كل مصلحته من الآخر، كالبيوع، والإجارات والأكرية والمساقاة والمضاربة، وما جرى مجرى ذلك‏.‏

المصلحة الثالثة ـ الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وقد جاء القرآن بذلك بأقوم الطرق وأعدلها‏.‏ والحض على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات كثير جدًا في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولذلك لما سُئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏ ‏"‏كان خُلقه القرآن‏"‏ لأن القرآن يشتمل على جميع مكارم الأخلاق‏.‏ لأن الله تعالى يقول في نبيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ‏}‏‏.‏

فدل مجموع الآية وحديث عائشة على أن المتصف بما في القرآن من مكارم الأخلاق‏:‏ أنه يكون على خُلق عظيم، وذلك لعظم ما في القرآن من مكارم الأخلاق، وسنذكر لك بعضًا من ذلك تنبيهًا به على غيره‏.‏

فمن ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ‏}‏‏.‏

فانظر ما في هذه الآية من الحضّ على مكارم الأخلاق من الأمر بالعفو والنهي عن نسيان الفضل‏.‏ وقال تعالى ‏{‏وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏ فانظر ما في هذه الآيات من مكارم الأخلاق، والأمر بأن تُعامل من عَصى الله فيك بأن تُطيعه فيه‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً‏}‏ فانظر إلى هذا من مكارم الأخلاق، والأمر بالإحسان إلى المحتاجين والضعفاء، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ‏}‏، وقال‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ما يدعو إليه القرآن من مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات‏.‏

ومن هدي القرآن للتي هي أقوم ـ هديه إلى حل المشاكل العالمية بأقوم الطرق وأعدلها‏.‏ ونحن دائمًا في المناسبات نبين هدي القرآن العظيم إلى حل ثلاث مشكلات، هي من أعظم ما يعانيه العالم في جميع المعمورة ممن ينتمي إلى الإسلام، ـ تنبيهًا بها على غيرها‏:‏ المشكلة الأولى ـ هي ضعف المسلمين في أقطار الدنيا في العدد والعدد عن مقاومة الكفار‏.‏ وقد هدى القرآن العظيم إلى حل هذه المشكلة بأقوم الطرق وأعدلها‏.‏ فبين أن علاج الضعف عن مقاومة الكفار إنما هو بصدق التوجه إلى الله تعالى، وقوة الإيمان به والتوكل عليه‏.‏ لأن الله قوي عزيز، قاهر لكل شيء‏.‏ فمن كان من حزبه على الحقيقة لا يمكن أن يغلبه الكفار ولو بلغوا من القوة ما بلغوا‏.‏

فمن الأدلة المبينة لذلك‏:‏ أن الكفار لما ضربوا على المسلمين ذلك الحصار العسكري العظيم في غزوة الأحزاب المذكور في قوله تعالى ‏{‏إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً‏}‏ كان علاج ذلك هو ما ذكرنا‏.‏ فانظر شدة هذا الحصار العسكري وقوة أثره في المسلمين، مع أن جميع أهل الأرض في ذلك الوقت مقاطعوهم سياسة واقتصادًا‏.‏ فإذا عرفت ذلك فاعلم أن العلاج الذي قابلوا به هذا الأمر العظيم، وحلوا به هذه المشكلة العظمى، هو ما بينه جلَّ وعلا ‏(‏في سورة الأحزاب‏)‏ بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَاناً وَتَسْلِيماً‏}‏‏.‏

فهذا الإيمان الكامل، وهذا التسليم العظيم لله جلَّ وعلا، ثقةً به، وتوكلًا عليه، هو سبب حل هذه المشكلة العظمَى‏.‏

وقد صرح الله تعالى بنتيجة هذا العلاج بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراً وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضاً لَّمْ تَطَؤُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً‏}‏‏.‏

وهذا الذي نصرهم الله به على عدوهم ما كانوا يظنونه، ولا يحسبون أنهم ينصرون به وهو الملائكة والريح‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً‏}‏ ولما علم جلَّ وعلا من أهل بيعة الرضوان الإخلاص الكامل، ونوه عن إخلاصهم بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله‏:‏ ‏{‏لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً‏}‏‏:‏ أي من الإيمان والإخلاص ـ كان من نتائج ذلك ما ذكره الله جلَّ وعلا في قوله ‏{‏وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً‏}‏ فصرح جلَّ وعلا في هذه الآية بأنهم لم يقدروا عليها، وأن الله جلَّ وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها، وذلك من نتائج قوة إيمانهم وشدة إخلاصهم‏.‏


فدلت الآية على أن الإخلاص لله وقوة الإيمان به، هو السبب لقدرة الضعيف على القوي وغلبته له ‏{‏كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏، وقوله تعالى في هذه الآية‏:‏ ‏{‏لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا‏}‏ فعل في سياق النفي، والفعل في سياق النفي من صيغ العموم على التحقيق، كما تقرر في الأصول‏.‏ ووجهه ظاهر‏.‏ لأن الفعل الصناعي ‏"‏أعني الذي يسمى في الاصطلاح فعل الأمر أو الفعل الماضي أو الفعل المضارع‏"‏ ينحل عند النحويين، وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن، كما أشار له في الخلاصة بقوله‏:‏ المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن

وعند جماعة من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة، وهذا هو الظاهر كما حرره بعض البلاغيين، في بحث الاستعارة التبعية‏.‏

فالمصدر إذن كامن في مفهوم الفعل إجماعًا‏.‏ فيتسلط النفي الداخل على الفعل على المصدر الكامن في مفهومه، وهو في المعنى نكرة‏.‏ إذ ليس له سبب يجعله معرفة، فيؤول إلى معنى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم‏.‏

فقوله‏:‏ ‏{‏لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا‏}‏ في معنى لا قدرة لكم عليها، وهذا يعم سلب جميع أنواع القدرة‏.‏ لأن النكرة في سياق النفي تدل على عموم السلب وشموله لجميع الأفراد الداخلة تحت العنوان‏.‏ كما هو معروف في محله‏.‏

وبهذا تعلم أن جميع أنواع القدرة عليها مسلوب عنهم، ولكن الله جلَّ وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها‏.‏ لما علم من الإيمان والإخلاص في قلوبهم ‏{‏وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ‏}‏‏.‏

المشكلة الثانية

هي تسليط الكفار على المؤمنين بالقتل والجراح وأنواع الإيذاء ـ مع أن المسلمين على الحق‏.‏

والكفار على الباطل‏.‏

وهذه المشكلة استشكلها أصحاب النَّبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأفتى الله جل وعلا فيها، وبين السبب في ذلك بفتوى سماوية تتلى في كتابه جلَّ وعلا‏.‏

وذلك أنه لما وقع ما وقع بالمسلمين يوم أحد‏:‏ فقتل عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته، ومثل بهما، وقتل غيرهما من المهاجرين، وقتل سبعون رجلًا من الأنصار، وجرح صلى الله عليه وسلم، وشُقَّت شفته، وكسرت رباعيته، وشج صلى الله عليه وسلم‏.‏

استشكل المسلمون ذلك وقالوا‏:‏ كيف يدال منا المشركون‏؟‏ ونحن على الحق وهم على الباطل‏؟‏? فأنزل الله قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَـذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ‏}‏‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ‏}‏‏.‏ فيه إجمال بينه تعالى بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ‏}‏‏.‏

ففي هذه الفتوى السماوية بيان واضح‏.‏ لأن سبب تسليط الكفار على المسلمين هو فشل المسلمين، وتنازعهم في الأمر، وعصيانهم أمره صلى الله عليه وسلم، وإرادة بعضهم الدنيا مقدمًا لها على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقد أوضحنا هذا في سورة ‏"‏آل عمران‏"‏ ومن عرف أصل الداء‏.‏ عرف الدواء‏.‏ كما لا يخفى‏.‏

المشكلة الثالثة

هي اختلاف القلوب الذي هو أعظم الأسباب في القضاء على كيان الأمة الإسلامية‏.‏ لاستلزامه الفشل، وذهاب القوة والدولة‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ‏}‏‏.‏

وقد أوضحنا معنى هذه الآية في سورة ‏"‏الأنفال‏"‏‏.‏

فترى المجتمع الإسلامي اليوم في أقطار الدنيا يضمر بعضهم لبعض العداوة والبغضاء، وإن جامل بعضهم بعضًا فإنه لا يخفى على أحد أنها مجاملة، وأن ما تنطوي عليه الضمائر مخالف لذلك‏.‏

وقد بين تعالى في سورة ‏"‏الحشر‏"‏ أن سبب هذا الداء الذي عَمت به البلوى إنما هو ضعف العقل‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى‏}‏ ثم ذكر العلة لكون قلوبهم شتى بقوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ‏}‏‏.‏ ولا شك أن داء ضعف العقل الذي يصيبه فيضعفه عن إدراك الحقائق، وتمييز الحق من الباطل، والنافع من الضار، والحسن من القبيح، لا دواء له إلا إنارته بنور الوحي‏.‏ لأن نور الوحي يحيا به من كان ميتًا ويضيء الطريق للمتمسِّك به‏.‏ فيريه الحق حقًا والباطل باطلًا، والنافع نافعًا، والضار ضارًا‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ‏}‏ ومن أخرج من الظلمات إلى النور أبصر الحق، لأن ذلك النور يكشف له عن الحقائق فيريه الحق حقًا، والباطل باطلًا، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الإيمان يكسب الإنسان حياة بدلًا من الموت الذي كان فيه، ونورًا بدلًا من الظلمات التي كان فيها‏.‏

وهذا النور عظيم يكشف الحقائق كشفًا عظيمًا‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ‏}‏ إلى قوله زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّىٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلاَ غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِى اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الاٌّمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ عَلَيِمٌ‏}‏ ـ ولما كان تتبع جميع ما تدل عليه هذه الآية الكريمة من هدي القرآن للتي هي أقوم ـ يقتضي تتبع جميع القرآن وجميع السنة لأن العمل بالسنة من هدي القرآن للتي هي أقوم‏.‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً‏}‏ ـ ولما كان تتبع جميع ما تدل عليه هذه الآية الكريمة من هدي القرآن للتي هي أقوم ـ يقتضي تتبع جميع القرآن وجميع السنة لأن العمل بالسنة من هدي القرآن للتي هي أقوم‏.‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا‏}‏ وكان تتبع جميع ذلك غير ممكن في هذا الكتاب المبارك، اقتصرنا على هذه الجمل التي ذكرنا من هدي القرآن للتي هي أقوم تنبيهًا بها على غيرها والعلم عند الله تعالى‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏َيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولاً‏}‏‏.‏ في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير للعلماء‏.‏ وأحدهما يشهد له قرآن‏.‏

وهو أن معنى الآية ‏{‏َيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ‏}‏ كان يدعو على نفسه أو ولده بالهلاك عند الضجر من أمر‏.‏ فيقول اللهم أهلكني، أو أهلك ولدي‏.‏ فيدعو بالشر دعاء لا يحب أن يستجاب له‏.‏ وقوله ‏{‏دُعَاءهُ بِالْخَيْرِ‏}‏ أي يدعو بالشر كما يدعو بالخير فيقول عند الضجر‏:‏ اللهم أهلك ولدي كما يقول في غير وقت الضجر‏:‏ اللهم عافه، ونحو ذلك من الدعاء‏.‏

ولو استجاب الله دعاءه بالشر لهلك‏.‏ ويدل لهذا المعنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ‏}‏ أي لو عجّل لهم الإجابة بالشر كما يعجل لهم الإجابة بالخير لقضي إليهم أجلهم أي لهلكوا وماتوا‏.‏ فالاستعجال بمعنى التعجيل‏.‏

ويدخل في عداء الإنسان بالشر قول النضر بن الحارث العبدري‏:‏ ‏{‏وَإِذْ قَالُواْ اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَـذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ‏}‏‏.‏

وممن فسر الآية الكريمة بما ذكرنا‏:‏ ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وهو أصح التفسيرين لدلالة آية يونس عليه‏.‏

الوجه الثاني في تفسير الآية ـ أن الإنسان كما يدعو بالخير فيسأل الله الجنة، والسلامة من النار، ومن عذاب القبر، كذلك قد يدعو بالشر فيسأل الله أن ييسر له الزنى بمعشوقته، أو قتل مسلم هو عدو له ونحو ذلك‏.‏ ومن هذا القبيل قول ابن جامع‏:‏ ـ

أطوف بالبيت فيمن يطوف وأرفع من مئزري المسبل

وأسجد بالليل حتى الصباح وأتلو من المحكم المنزل

عسى فارج الهم عن يوسف يسخر لي ربة المحمل

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً‏}‏‏.‏ ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة‏:‏ أنه جعل الليل والنهار آيتين‏.‏ أي علامتين دالتين على أنه الرب المستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك معه غيره‏.‏ وكرر تعالى هذا المعنى في مواضع كثيرة‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي اخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيات لأولي الألباب‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ‏}‏ ـ إلى قوله ـ ‏{‏لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَاناً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ‏}‏، وقوله ‏{‏وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا‏}‏، وقوله ‏{‏وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

‏{‏وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏


وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً‏}‏ يعني أنه جعل الليل مظلمًا مناسبًا للهدوء والراحة، والنهار مضيئًا مناسبًا للحركة والاشتغال بالمعاش في الدنيا‏.‏ فيسعون في معاشهم في النهار، ويستريحون من تعب العمل بالليل‏.‏ ولو كان الزمن كله ليلًا لصعب عليهم العمل في معاشهم، ولو كان كله نهارًا لأهلكهم التعب من دوام العمل‏.‏

فكما أن الليل والنهار آيتان من آياته جلَّ وعلا، فهما أيضًا نعمتان من نعمه جلَّ وعلا‏.‏

وبين هذا المعنى المشار إليه هنا في مواضع أخر، كقوله‏:‏ ‏{‏قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏}‏‏.‏

فقوله‏:‏ ‏{‏لِتَسْكُنُوا فِيهِ‏}‏ أي في الليل‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ‏}‏ أي في النهار وقوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُوراً‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وقوله في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏ولِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ‏}‏ بين فيه نعمة أخرى على خلقه، وهي معرفتهم عدد السنين والحساب‏.‏ لأنهم باختلاف الليل والنهار يعلمون عدد الأيام والشهور والأعوام، ويعرفون بذلك يوم الجمعة ليصلوا فيه صلاة الجمعة، ويعرفون شهر الصوم، وأشهر الحج، ويعلمون مضي أشهر العدة لمن تعتد بالأشهر المشار إليها في قوله‏:‏ ‏{‏وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً‏}‏‏.‏ ويعرفون مضي الآجال المضروبة للديون والإجارات، ونحو ذلك‏.‏

وبين جلَّ وعلا هذه الحكمة في مواضع أخر، كقوله‏:‏ ‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللّهُ ذَلِكَ إِلاَّ بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏ وقوله جلَّ وعلا‏:‏ ‏{‏يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً‏}‏ فيه وجهان من التفسير للعلماء‏:‏

أحدهما ـ أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير‏:‏ وجعلنا نيرى الليل والنهار، أي الشمس والقمر آيتين‏.‏

وعلى هذا القول ـ فآية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس‏.‏ والمحو الطمس‏.‏ وعلى هذا القول ـ فمحو آية الليل قيل معناه السواد الذي في القمر‏.‏ وبهذا قال علي رضي الله عنه، ومجاهد، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما‏.‏

وقيل‏:‏ معنى ‏{‏فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ‏}‏ أي لم نجعل في القمر شعاعًا كشعاع الشمس ترى به الأشياء رؤية بينة‏.‏ فنقص نور القمر عن نور الشمس هو معنى الطمس على هذا القول‏.‏

وهذا أظهر عندي لمقابلته تعالى له بقوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً‏}‏ والقول بأن معنى محو آية الليل‏:‏ السواد الذي في القمر ليس بظاهر عندي وإن قال به بعض الصحابة الكرام، وبعض أجلاء أهل العلم?

وقوله‏:‏ ‏{‏وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ‏}‏ على التفسير المذكور أي الشمس ‏{‏مُبْصِرَةً‏}‏ أي ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء على حقيقته‏.‏

قال الكسائي‏:‏ هو من قول العرب‏:‏ أبصر النهار‏:‏ إذا أضاء وصار بحالة يبصر بها ـ نقله عنه القرطبي‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ هذا التفسير من قبيل قولهم‏:‏ نهاره صائم، وليله قائم‏.‏ ومنه قوله‏:‏ لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى ونمت وما ليل المحب بنائم

وغاية ما في الوجه المذكور من التفسير‏:‏ حذف مضاف، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب إن دلت عليه قرينة‏.‏ قال في الخلاصة‏:‏ وما يلي المضاف يأتي خلفا عنه في الإعراب إذا ما حذفا

والقرينة في الآية الكريمة الدالة على المضاف المحذوف قوله‏:‏ ‏{‏فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً‏}‏ فإضافة الآية إلى الليل والنهار دليل على أن الآيتين المذكورتين لهما لا هما أنفسهما‏.‏ وحذف المضاف كثيرة في القرآن كقوله‏:‏ ‏{‏وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيْرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ‏}‏ أي نكاحها، وقوله‏:‏ ‏{‏حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ‏}‏ أي أكلها، ونحو ذلك‏.‏

وعلى القول بتقدير المضاف، وأن المراد بالآيتين الشمس والقمر ـ فالآيات الموضحة لكون الشمس والقمر آيتين تقدمت موضحة في سورة النحل‏.‏

الوجه الثاني من التفسير ـ أن الآية الكريمة ليس فيها مضاف محذوف، وأن المراد بالآيتين نفس الليل والنهار، لا الشمس والقمر‏.‏

وعلى هذا القول فإضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، تنزيلًا لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في المعنى‏.‏ وإضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ كثيرة في القرآن وفي كلام العرب‏.‏ فمنه في القرآن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏شَهْرُ رَمَضَانَ‏}‏، ورمضان هو نفس الشهر بعينه على التحقيق، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَدَارُ الآخِرَةِ‏}‏، والدار هي الآخرة بعينها‏.‏ بدليل قوله في موضع آخر‏:‏ ‏{‏ولَلَدَارُ الآخِرَةِ‏}‏ بالتعريف، والآخرة نعت للدار‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏ والحبل هو الوريد، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَكْرَ السَّيِّئِ‏}‏، والمكر هو السيء بدليل قوله ‏{‏وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ‏}‏‏.‏

ومن أمثلته في كلام العرب قول امرىء القيس‏:‏

كبكر المقاناة البياض بصفرة غذاها نمير الماء غير المحلل

لأن المقاناة هي البكر بعينها، وقول عنترة في معلقته‏:‏ ومشك سابغة هتكت فروجها بالسيف عن حامي الحقيقة معلم

لأن مراده بالمشك‏:‏ السابغة بعينها‏.‏ بدليل قوله‏:‏ هتكت فزوجها‏.‏ لأن الضمير عائد إلى السابغة التي عبر عنها بالمشك‏.‏

وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا ‏(‏دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب‏)‏ في سورة فاطر‏.‏ وبينا أن الذي يظهر لنا‏:‏ أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف لفظ المضاف والمضاف إليه أسلوب من أساليب اللغة العربية‏.‏ لأن تغاير اللفظين ربما نزل منزلة التغاير المعنوي‏.‏ لكثرة الإضافة المذكورة في القرآن وفي كلام العرب‏.‏ وجزم بذلك ابن جرير في بعض مواضعه في القرآن‏.‏ وعليه فلا حاجة إلى التأويل المشار إليه بقوله في الخلاصة‏:‏ ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى وأول موهمًا إذا ورد

ومما يدل على ضعف التأويل المذكور قوله‏:‏ وإن يكونا مفردين فأضف حتما وإلا أتبع الذي ردف

لأن إيجاب إضافة العلم إلى اللقب مع اتحادهما في المعنى إن كانا مفردين المستلزم للتأويل، ومنع الإتباع الذي لا يحتاج إلى تأويل ـ دليل على أن ذلك من أساليب اللغة العربية، ولو لم يكن من أساليبها لوجب تقديم ما لا يحتاج إلى تأويل على المحتاج إلى تأويل كما ترى‏.‏ وعلى هذا الوجه من التفسير ـ فالمعنى‏:‏ فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة‏.‏ أي جعلنا الليل مَمْحُو الضوء مطموسه، مظلمًا لا تستبان فيه الأشياء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو‏.‏ وجعلنا النهار مبصرًا‏.‏ أي تبصر فيه الأشياء وتستبان‏.‏


وقوله في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً ‏}‏ تقدم إيضاحه، والآيات الدالة عليه في سورة ‏"‏النحل‏"‏ في الكلام على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ‏}‏‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً‏}‏‏.‏

في قوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة ‏{‏وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ‏}‏ وجهان معروفان من التفسير‏:‏

الأول ـ أن المراد بالطائر‏:‏ العمل، من قولهم‏:‏ طار له سهم إذا خرج له‏.‏ أي ألزمناه ما طار له من عمله‏.‏

الثاني ـ أن المراد بالطائر ما سبق له في علم الله من شقاوة أو سعادة‏.‏ والقولان متلازمان‏.‏ لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يؤول إليه من الشقاوة أو السعادة‏.‏

فإذا عرفت الوجهين المذكورين فاعلم ـ أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك‏:‏ أن الآية قد يكون فيها للعلماء قولان أو أقوال، وكلها حق، ويشهد له قرآن ـ فنذكر جميع الأقوال وأدلتها من القرآن‏.‏ لأنها كلها حق، والوجهان المذكوران في تفسير هذه الآية الكريمة كلاهما يشهد له قرآن‏.‏

أما على القول الأول بأم المراد بطائره عمله ـ فالآيات الدالة على أن عمل الإنسان لازم له كثيرة جدًا‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً‏}‏، وقوله ‏{‏إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحًا فملاقيه‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ‏}‏، والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا‏.‏

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏فِي عُنُقِهِ‏}‏ أي جعلنا عمله أو ما سبق له من شقاوة في عنقه‏.‏ أي لازمًا له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه‏.‏ ومنه قول العرب‏:‏ تقلدها طوق الحمامة‏.‏ وقولهم‏:‏ الموت في الرقاب‏.‏ وهذا الأمر ربقة في رقبته‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏ اذهب بها اذهب بها طوقتها طوق الحمامه

فالمعنى في ذلك كله‏:‏ اللزوم وعدم الانفكاك‏.‏ وقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً‏}‏ ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة‏:‏ أن ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه يخرجه له يوم القيامة مكتوبًا في كتاب يلقاه منشورًا، أي مفتوحًا يقرؤه هو وغيره‏.‏

وبين أشياء من صفات هذا الكتاب الذي يلقاه منشورًا في آيات أخر‏.‏ فبين أن من صفاته‏:‏ أن المجرمين مشفقون أي خائفون مما فيه، وأنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنهم يجدون فيه جميع ما عملوا حاضرًا ليس منه شيء غائبًا، وأن الله جلَّ وعلا لا يظلمهم في الجزاء عليه شيئًا‏.‏ وذلك في قوله جلَّ وعلا‏:‏ ‏{‏وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً‏}‏‏.‏

وبين في موضع آخر‏:‏ أن بعض الناس يؤتى هذا الكتاب بيمينه ـ جعلنا الله وإخواننا المسلمين منهم‏.‏

وأن من أوتيه بيمينه يحاسب حسابًا يسيرًا، ويرجع إلى أهله مسرورًا، وأنه في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وينقلب إلى أهله مسرورا‏}‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيهْ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ‏}‏‏.‏

وبين في موضع آخر‏:‏ أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته، وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعًا‏.‏ وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيهْ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ‏}‏ ـ أعذانا الله وإخواننا المسلمين من النار، ومما قرب إليها من قول وعمل‏.‏

وبين في موضع آخر‏:‏ أن من أوتي كتابه وراء ظهره يصلى السعير، ويدعو الثبور‏.‏ وذلك في قوله‏:‏ ‏{‏وأما من أوتي كتابه وراء ظهره فسوف يدعو ثبورا ويصلى سعيرا‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً‏}‏ يعني أن نفسه تعلم أنه لم يظلم، ولم يكتب عليه إلا ما عمل‏.‏ لأنه في ذلك الوقت يتذكر كل ما عمل في الدنيا من أول عمره إلى آخره‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏يُنَبَّأُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ‏}‏‏.‏

وقد بين تعالى في مواضع أخر‏:‏ أنه إن أنكر شيئًا من عمله شهدت عليه جوارحه‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيراً مِّمَّا تَعْمَلُونَ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ‏}‏، وقوله جلَّ وعلا ‏{‏بَلِ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ‏}‏، وسيأتي إن شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة القيامة‏.‏


تستعمل متعدية، وهي تتعدى غالبًا إلى مفعولين، وفاعل هذه المتعدية لا يجر بالباء‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللّهُ ‏}‏، ونحو ذلك من الآيات‏.‏

وتستعمل لازمة، ويطر، جر فاعلها بالباء المزيدة لتوكيد الكفاية‏.‏ كقَوْله في هذه الآية الكريمة ‏{‏كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً‏}‏ ونحو ذلك‏.‏

ويكثر إتيان التمييز بعد فاعلها المجرور بالباء‏.‏ وزعم بعض علماء العربية‏:‏ أن جر فاعلها بالباء لازم‏.‏ والحق أنه يجوز عدم جره بها، ومنه قول الشاعر‏:‏ عميرة ودع إن تجهزت غاديا كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا

وقول الآخر‏:‏ ويخبرني عن غائب المرء هديه كفى الهدى عما غيب المرء مخبرا

وعلى قراءة من قرأ ‏{‏يلقاه‏}‏ بضم الياء وتشديد القاف مبنيًا للمفعول ـ فالمعنى‏:‏ أن الله يلقيه ذلك الكتاب يوم القيامة‏.‏ فحذف الفاعل فبني الفعل للمفعول‏.‏

وقراءة من قرأ ‏{‏يَخْرُجُ‏}‏ بفتح الياء وضم الراء مضارع خرج مبنيًا للفاعل ـ فالفاعل ضمير يعود إلى الطائر بمعنى العمل وقوله ‏{‏كتابا‏}‏ حال من ضمير الفاعل‏.‏ أي ويوم القيامة يخرج هو أي العمل المعبر عنه بالطائر في حال كونه كتابًا يلقاه منشورًا‏.‏ وكذلك على قراءة ‏{‏يَخْرُجُ‏}‏ بضم الياء وفتح الراء مبنيًا للمفعول، فالمضير النائب عن الفاعل راجع أيضًا إلى الطائر الذي هو العمل‏.‏ أي يخرج له هو أي طائره بمعنى عمله، في حال كونه كتابًا‏.‏

وعلى قراءة ‏"‏يخرج‏"‏ بضم الياء وكسر الراء مبنيًا للفاعل، فالفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى، وقوله ‏{‏كتابا‏}‏ مفعول به‏.‏ أي ويوم القيامة يخرج هو أي الله له كتابًا يلقاه منشورًا‏.‏

وعلى قراءة الجمهور منهم السبعة ـ فالنون في ‏{‏نُخْرِجُ‏}‏ نون العظمة لمطابقة قوله ‏{‏ألزمناه‏}‏ و‏{‏كتابا‏}‏ مفعول به لنخرج كما هو واضح‏.‏ والعلم عند الله تعالى‏.‏ قوله تعالى ‏{‏فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ‏}‏‏.‏ ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة‏:‏ أن من اهتدى فعمل بما يرضي الله جلَّ وعلا، أن اهتداءه ذلك إنما هو لنفسه لأنه هو الذي ترجع إليه فائدة ذلك الاهتداء، وثمرته في الدنيا والآخرة‏.‏ وأن من ضل عن طريق الصواب فعمل بما يسخط ربه جلَّ وعلا، أن ضلاله ذلك إنما هو على نفسه‏.‏ لأنه هو الذي يجني ثمرة عواقبه السيئة الوخيمة، فيخلد به في النار‏.‏

وبين هذا المعنى في مواضع كثيرة‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قَدْ جَاءكُم بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏رَّبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ‏}‏‏.‏ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا‏.‏ وقد قدمنا طرفًا منها في سورة ‏"‏النحل‏"‏‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى‏}‏‏.‏ ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة‏:‏ أنه لا تحمل نفس ذنب أخرى‏.‏ بل لا تحمل نفس إلا ذنبها‏.‏

فقوله ‏{‏وَلاَ تَزِرُ‏}‏ أي لا تحمل، من وزريزر إذا حمل‏.‏ ومنه سمي وزير السلطان، لأنه يحمل أعباء تدبير شؤون الدولة‏.‏ والوزر‏:‏ الإثم‏.‏ يقال‏:‏ وزر يزر وزرا، إذا أثم‏.‏ والوزر أيضًا‏:‏ الثقل المثقل، أي لا تحمل نفس وازرة أي آثمة وزر نفس أخرى‏.‏ أي إثمها، أو حملها الثقيل‏.‏ بل لا تحمل إلا وزر نفسها‏.‏

وهذا المعنى جاء في آيات أخر‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلاَّ عَلَيْهَا وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُم مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلاَ تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وقد قدمنا في سورة ‏"‏النحل‏"‏ بإيضاح‏:‏ أن هذه الآيات لا يعارضها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ‏}‏، ولا قوله‏:‏ ‏{‏لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ‏}‏‏.‏ لأن المراد بذلك أنهم حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم، وأوزار إضلالهم غيرهم‏.‏ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا ـ كما تقدم مستوفى‏.‏

تنبيه

يرد على هذه الآية الكريمة سؤالان‏:‏

الأول ـ ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما من ‏"‏أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه‏"‏ فيقال‏:‏ ما وجه تعذيبه ببكاء غيره‏.‏ إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره‏؟‏

السؤال الثاني ـ إيجاب دية الخطإ على العاقلة‏.‏ فيقال‏:‏ ما وجه إلزام العاقلة الدية بجناية إنسان آخر‏؟‏‏.‏

والجواب عن الأول ـ هو أن العلماء حملوه على أحد أمرين‏:‏

الأول ـ أن يكون الميت أوصى بالنوح عليه‏.‏ كما قال طرفة بن العبد في معلقته‏:‏ إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقى على الجيب يابنة معبد

لأنه إذا كان أوصى بأن يناح عليه‏:‏ فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر‏.‏ وذلك من فعله لا فعل غيره‏.‏


الثاني ـ أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه‏.‏ لأن إهماله نهيهم تفريط منه، ومخالفة لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ‏}‏ فتعذيبه إذا بسبب تفريطه، وتركه ما أمر الله به من قوله‏:‏ ‏{‏مقتكم أنفسكم‏}‏ الآية ـ وهذا ظاهر كما ترى‏.‏

وعن الثاني ـ بأن إيجاب الدية على العاقلة ليس من تحميلهم وزر القاتل، ولكنها مواساة محضة أوجبها الله على عاقلة الجاني‏.‏ لأن الجاني لم يقصد سوءًا، ولا إثم عليه البتة ـ فأوجب الله في جنايته خطأ الدية بخطاب الوضع، وأوجب المواساة فيها على العاقلة‏.‏ ولا إشكال في إيجاب الله على بعض خلقه مواساة بعض خلقه‏.‏ كما أوجب أخذ الزكاة من مال الأغنياء وردها إلى الفقراء‏.‏ واعتقد من أوجب الدية على أهل ديوان القاتل خطأ كأبي حنيفة وغيره ـ أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل الديوان‏.‏ ويؤيد هذا القول ما ذكره القرطبي في تفسيره قال‏:‏ ‏"‏وأجمع أهل السير والعلم‏:‏ أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة، فأقرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإسلام ‏.‏ وكانوا يتعاقلون بالنصرة ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك‏.‏ حتى جعل عمر الديوان‏.‏

واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به‏.‏ وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا زمن أبي بكر ديوان، وأن عمر جعل الديوان، وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يدًا، وجعل عليهم قتال من يليهم من العدو‏.‏ انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏‏.‏ ظاهر هذه الآية الكريمة‏:‏ أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحدًا من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة‏.‏ حتى يبعث إليه رسولًا ينذره ويحذره فيعصى ذلك الرسول، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار‏.‏

وقد أوضح جلَّ وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً‏}‏ فصرح في هذه الآية الكريمة‏:‏ بأن لا بد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم النار‏.‏

وهذه الحجة التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين‏.‏ بينها في آخر سورة طه بقوله ‏{‏وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى‏}‏‏.‏

وأشار لها في سورة القصص بقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ‏}‏، وقوله جلَّ وعلا‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ أَن تَقُولُواْ مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ‏}‏، وكقوله‏:‏ ‏{‏وَهَـذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

ويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جلَّ وعلا لا يعذب أحدًا إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام ـ تصريحه جلَّ وعلا في آيات كثيرة‏:‏ ‏"‏بأن لم يدخل أحدًا النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل‏.‏ فمن ذلك قوله جلَّ وعلا‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ‏}‏‏.‏

ومعلوم أن قوله جلَّ وعلا‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ‏}‏ يعم جميع الأفواج الملقين في النار‏.‏

قال أبو حيان في ‏"‏البحر المحيط‏"‏ في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه‏:‏ ‏"‏وكلما‏"‏ تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين‏.‏ ومن ذلك قوله جلَّ وعلا‏:‏ ‏{‏وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ‏}‏، وقوله في هذه الآية‏:‏ ‏{‏وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا‏}‏ عام لجميع الكفار‏.‏

وقد تقرر في الأصول‏:‏ أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم‏.‏ لعمومها في كل ما تشمله صلاتها، وعقده في مراقي السعود بقوله في صيغ العموم‏:‏ صيغة كل أو الجميع وقد تلا الذي التي الفروع

ومراده بالبيت‏:‏ أن لفظة ‏"‏كل، وجميع، والذي، والتي‏"‏ وفروعهما كل ذلك من صيغ العموم‏.‏ فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ‏}‏ إلى قوله ‏{‏يَوْمِكُمْ هَذَا‏}‏ عام في جميع الكفار‏.‏ وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا‏.‏ فعصوا أمر ربهم كما هو واضح‏.‏

ونظيره أيضًا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ‏}‏‏.‏ فقوله ‏{‏وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ‏}‏ إلى قوله ‏{‏النَّذِيرُ فَذُوقُوا‏}‏ عام أيضًا في جميع أهل النار‏.‏ كما تقدم إيضاحه قريبًا‏.‏

ونظير ذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِّنَ الْعَذَابِ قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا‏.‏

وهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر‏.‏ وبهذا قالت جماعة من أهل العلم‏.‏

وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير، واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله، وبأحاديث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فمن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ‏}‏، وقوله ‏{‏إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏قَالُواْ إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وظاهر جميع هذه الآيات العموم‏.‏ لأنها لم تخصص كافرًا دون كافر، بل ظاهرها شمول جميع الكفار‏.‏

ومن الأحاديث الدالة على أن الكفار لا يعذرون في كفرهم بالفترة ما أخرجه مسلم في صحيحه‏:‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس‏:‏ أَنَّ رجلًا قال‏:‏ يا رسول الله، أَين أَبي‏؟‏‏.‏ قال‏:‏ ‏"‏في النَّار‏"‏ فلما قفى دعاه فقال‏:‏ ‏"‏إنَّ أَبي وأباك في النَّار‏"‏ اهـ وقال مسلم رحمه الله في صحيحه أيضًا‏:‏ حدثنا يَحْيَى بن أيوب، ومحمد بن عباد ـ واللفظ ليحيى ـ قالا‏:‏ حدثنا مروان بن معاوية، عن يزيد يعني ابن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي‏"‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قالا‏:‏ حدثنا محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال‏:‏ زار النَّبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأَبكى من حوله‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكِّر الموت‏"‏ اهـ إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على عدم عذر المشركين بالفترة‏.‏

وهذا الخلاف مشهور بين أهل الأصول ـ هل المشركون الذين ماتوا في الفترة وهم يعبدون الأوثان في النار لكفرهم‏.‏ أو معذورون بالفترة‏؟‏ وعقده في ‏"‏مراقي السعود‏"‏ بقوله‏:‏ ذو فترة بالفرع لا يراع وفي الأصول بينهم نزاع

وممن ذهب إلى أن أهل الفترة الذين ماتوا على الكفر في النار‏:‏ النووي في شرح مسلم، وحكى عليه القرافي في شرح التنقيح الإجماع‏.‏ كما نقله عنه صاحب ‏"‏نشر البنود‏"‏‏.‏

وأجاب أهل هذا القول عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏ من أربعة أوجه‏:‏

الأول ـ أن التعذيب المنفى في قوله ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏، وأمثالها من الآيات‏.‏ إنما هو التعذيب الدنيوي‏.‏ كما وقع في الدنيا من العذاب بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم موسى وأمثالهم‏.‏ وإذًا فلا ينافي ذلك التعذيب في الآخرة‏.‏

ونسب هذا القول القرطبي، وأبو حيان، والشوكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور‏.‏

والوجه الثاني ـ أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏ وأمثالها في غير الواضح الذي لا يخفى على أدنى عاقل‏.‏ أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد‏.‏ لأن الكفار يقرون بأن الله هو ربهم، الخالق الرازق، النافع، الضار‏.‏ ويتحققون كل التحقق أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر‏.‏ كما قال عن قوم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام‏:‏ ‏{‏لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ‏}‏ وكما جاءت الآيات القرآنية بكثرة بأنهم وقت الشدائد يخلصون الدعاء لله وحده‏.‏ لعلمهم أن غيره لا ينفع ولا يضر‏.‏ كقوله ‏{‏فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏ ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم ـ فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وأنها شفعاؤهم عند الله‏.‏ مع أن العقل يقطع بنفي ذلك‏.‏

الوجه الثالث ـ أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبل نبينا صلى الله عليه وسلم‏.‏ كإبراهيم وغيره‏.‏ وأن الحجة قائمة عليهم بذلك‏.‏ وجزم بهذا النووي في شرح مسلم، ومال إليه العبادي في ‏(‏الآيات البينات‏)‏‏.‏

الوجه الرابع ـ ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم، الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار‏.‏ كما قدمنا بعض الأحاديث الواردة بذلك في صحيح مسلم وغيره‏.‏


وأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة ـ فأجابوا عن الوجه الأول، وهو كون التعذيب في قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏ إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي من وجهين‏:‏

الأول ـ أنه خلاف ظاهر القرآن‏.‏ لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقًا، فهو أعم من كونه في الدنيا‏.‏ وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه‏.‏

الوجه الثاني ـ أن القرآن دل في آيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قَالُوا بَلَى‏}‏ وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل‏.‏ كما تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية‏.‏

وأجابوا عن الوجه الثاني ـ وهو أن محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد ـ بنفس الجوابين المذكورين آنفًا‏.‏ لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالف لظاهر القرآن، فلا بد له من دليل يجب الرجوع إليه، ولأن الله نص على أن أهل النار ما عذبوا بها حتى كذبوا الرسل في دار الدنيا، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح، كما تقدم إيضاحه‏.‏

وأجابوا عن الوجه الثالث الذي جزم به النووي، ومال إليه العبادي وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أرسلوا قبله صلى الله عليه وسلم بأنه قول باطل بلا شك‏.‏ لكثرة الآيات القرآنية المصرحة ببطلانه، لأن مقتضاه أنهم أنذروا على ألسنة بعض الرسل والقرآن ينفي هذا نفيًا باتًا في آيات كثيرة‏.‏ كقوله في ‏"‏يس‏"‏‏:‏ ‏{‏لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ‏}‏ و‏"‏مَا‏"‏ في قوله ‏{‏ما أنذر آباؤهم‏}‏ نافية على التحقيق، لا موصولة، وتدل لذلك الفاء في قوله ‏{‏فَهُمْ غَافِلُونَ‏}‏، وكقوله في ‏"‏القصص‏"‏‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ‏}‏، وكقوله في ‏"‏سبأ‏"‏ ‏{‏وَمَا آتَيْنَاهُم مِّن كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِن نَّذِيرٍ‏}‏، وكقوله في ‏"‏ألم السجدة‏"‏‏:‏ ‏{‏أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وأجابوا عن الوجه الرابع ـ بأن تلك الأحاديث الواردة في صحيح مسلم وغيره أخبار آحاد يقدم عليها القاطع، وهو قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ‏}‏، ونحو ذلك من الآيات‏.‏

وأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضًا عن الآيات التي استدل بها مخالفوهم كقوله‏:‏

‏{‏وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَـئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً‏}‏، إلى آخر ما تقدم من الآيات ـ بأن محل ذلك فيما إذا أرسلت إليهم الرسل فكذبوهم بدليل قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏‏.‏ وأجاب القائلون بتعذيب عبده الأوثان من أهل الفترة عن قول مخالفيهم‏:‏ إن القاطع الذي هو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً‏}‏ يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة، كحديثي مسلم في صحيحه المتقدمين ـ بأن الآية عامة، والحديثين كلاهما خاص في شخص معين‏.‏ والمعروف في الأصول أنه لا يتعارض عام وخاص‏.‏ لأن الخاص يقضي على العام كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله، كما بيناه في غير هذا الموضع‏.‏

فما أخرجه دليل خاص خرج من العموم، وما لم يخرجه دليل خاص بقي داخلًا في العموم‏.‏ كما تقرر في الأصول‏.‏

وأجاب المانعون بأن هذا التخصيص يبطل حكمة العام‏.‏ لأن الله جل وعلا تمدح بكمال الإنصاف‏.‏ وأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا، وأشار لأن ذلك الإنصاف الكامل، والإعذار الذي هو قطع العذر علة لعدم التعذيب‏.‏ فلو عذب إنسانًا واحدًا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تمدح الله بها، ولثبتت لذلك الإنسان الحجة التي أرسل الله الرسل لقطعها‏.‏ كما بينه بقوله‏:‏ ‏{‏رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى‏}‏ كما تقدم إيضاحه‏.‏

وأجاب المخالفون عن هذا ـ بأنه لو سلم أن عدم الإنذار في دار الدنيا علة لعدم التعذيب في الآخرة، وحصلت علة الحكم التي هي عدم الإنذار في الدنيا، مع فقد الحكم الذي هو عدم التعذيب في الآخرة للنص في الأحاديث على التعذيب فيها‏.‏ فإن وجود علة الحكم مع فقد الحكم المسمى في اصطلاح أهل الأصول‏.‏ بـ ‏"‏النقض‏"‏ تخصيص للعلة، بمعنى أنه قصر لها على بعض أفراد معلولها بدليل خارج كتخصيص العام‏.‏ أي قصره على بعض أفراده بدليل‏.‏ والخلاف في النقض هل هو إبطال للعلة، أو تخصيص لها معروف في الأصول، وعقد الأقول في ذلك صاحب ‏"‏مراقي السعود‏"‏ بقوله في مبحث القوادح‏:‏ منها وجود الوصف دون الحكم سماه بالنقض وعاة العلم

والأكثرون عندهم لا يقدح بل هو تخصيص وذا مصحح

وقد روي عن مالك تخصيص إن يك الاستنباط لا التنصيص

وعكس هذا قد رآه البعض ومنتقى ذي الاختصار النقض

إن لم تكن منصوصة بظاهر وليس فيما استنبطت بضائر

إن جا لفقد الشرط أو لما منع والوفق في مثل العرايا قد وقع

فقد أشار في الأبيات إلى خمسة أقوال في النقض‏:‏ هل هو تخصيص، أو إبطال للعلة، مع التفاصيل التي ذكرها في الأقوال المذكورة‏.‏

واختار بعض المحققين من أهل الأصول‏:‏ أن تخلف الحكم عن الوصف إن كان لأجل مانع منع من تأثير العلة، أو لفقد شرط تأثيرها فهو تخصيص للعلة، وإلا فهو نقض وإبطال لها‏.‏ فالقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص إجماعًا‏.‏

فإذا وجد هذا الوصف المركب الذي هو القتل العمد العدوان، ولم يوجد الحكم الذي هو القصاص في قتل الوالد ولده لكون الأبوة مانعًا من تأثير العلة في الحكم ـ فلا يقال هذه العلة منقوضة‏.‏ لتخلف الحكم عنها في هذه الصورة، بل هي علة منع من تأثيرها مانع‏.‏ فيخصص تأثيرها بما لم يمنع منه مانع‏.‏

وكذلك من زوج أمته من رجل، وغره فزعم له أنها حرة فولد منها‏.‏ فإن الولد يكون حرًا، مع أن رق الأم علة لرق الولد إجماعًا‏.‏ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها‏.‏ لأن الغرور مانع منع من تأثير العلة التي هي رق الأم في الحكم الذي هو رق الولد‏.‏

وكذلك الزنى‏:‏ فإنه علم للرجم إجماعًا‏.‏

فإذا تخلف شرط تأثير هذه العلة التي هي الزنى في هذا الحكم الذي هي الرجم، ونعني بذلك الشرط الإحصان‏.‏ فلا يقال إنها علة منقوضة، بل هي علة تخلف شرط تأثيرها‏.‏ وأمثال هذا كثيرة جدًا‏.‏ هكذا قاله بعض المحققين‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ الذي يظهر‏:‏ أن آية ‏"‏الحشر‏"‏ دليل على أن النقض تخصيص للعلة مطلقًا، والله تعالى أعلم‏.‏ ونعني بآية ‏"‏الحشر‏"‏ قوله تعالى في بني النضير‏:‏ ‏{‏وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ‏}‏‏.‏

ثم بين جل وعلا علة هذا العقاب بقوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ‏}‏‏.‏ وقد يوجد بعض من شاق الله ورسوله، ولم يعذب بمثل العذاب الذي عذب به بنو النضير، مع الاشتراك في العلة التي هي مشاقة الله ورسوله‏.‏

فدل ذلك على أن تخلف الحكم عن العلة في بعض الصور تخصيص للعلة لا نقض لها‏.‏ والعلم عند الله تعالى‏.‏

أما مثل بيع التمر اليابس بالرطب في مسألة بيع العرايا فهو تخصيص للعلة إجماعًا لا نقض لها‏.‏ كما أشار له في الأبيات بقوله‏:‏ * والوفق في مثل العرايا قد وقع *

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي‏:‏ هل يعذر المشركون بالفترة أو لا‏؟‏ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها‏.‏ فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا‏.‏ ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا‏.‏ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل‏.‏

وإنما قلنا‏:‏ إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين‏:‏

الأول ـ أن هذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبوته عنه نص في محل النزاع‏.‏ فلا وجه للنزاع ألبتة مع ذلك‏.‏

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها، بعد أن ساق الأحاديث الكثيرة الدالة على عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة، رادا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم، بأن الآخرة دار جزاء لا عمل، وأن التكليف بدخول النار تكليف بما لا يطاق وهو لا يمكن ـ ما نصه‏:‏

والجواب عما قال‏:‏ أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضيف يتقوى بالصحيح والحسن‏.‏ وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها‏.‏ وأما قوله‏:‏ إن الدار الآخرة دار جزاء، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار‏.‏ كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال، وقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ‏}‏‏.‏


وقد ثبت في الصحاح وغيرها‏:‏ ‏"‏أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقًا واحدًا، كلما أراد السجود خر لقفاه‏"‏‏.‏ وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها‏:‏ ‏"‏أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك منه، ويقول الله تعالى‏:‏ يا بن آدم، ما أعذرك? ثم يأذن له في دخول الجنة‏"‏ وأما قوله‏:‏ فكيف يكلفهم الله دخول النار، وليس ذلك في وسعهم‏؟‏ فليس هذا بمانع من صحة الحديث‏.‏ ‏"‏فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط وهو جسر على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعر، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب‏.‏ ومنهم الساعي، ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المكدوس على وجهه في النار‏"‏ وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطم وأعظم?

وأيضًا ـ فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا‏.‏ فهذا نظير ذلك‏.‏

وأيضًا ـ فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم‏.‏ فقتل بعضهم بعضًا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفًا، يقتل الرجل أباه وأخاه، وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم‏.‏ وذلك عقوبة لهم على عبادة العجل‏.‏ وهذا أيضًا شاق على النفوس جدًا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور‏.‏ والله أعلم‏.‏ انتهى كلام ابن كثير بلفظه‏.‏

وقال ابن كثير رحمه الله تعالى أيضًا قبل هذا الكلام بقليل ما نصه‏:‏

ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في عرصات المحشر‏.‏ فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيه بسابق السعادة‏.‏ ومن عصى دخل النار داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة‏.‏

وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة، الشاهد بعضها لبعض‏.‏

وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب ‏(‏الاعتقاد‏)‏ وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد‏.‏ انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو واضح جدًا فيما ذكرنا‏.‏

الأمر الثاني ـ أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف‏.‏ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما‏.‏ ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان‏.‏ فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان، ويتفق بذلك جميع الأدلة، والعلم عند الله تعالى‏.‏

ولا يخفى أن مثل قول ابن عبد البر رحمه الله تعالى‏:‏ إن الآخرة دار جزاء لا دار عمل ـ لا يصح أن ترد به النصوص الصحيحة الثابتة عن النَّبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ كما أوضحناه في كتابنا ‏(‏دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب‏)‏‏.‏

‏{‏وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً كُلاًّ نُّمِدُّ هَـؤُلاء وَهَـؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُوراً انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ غَفُوراً وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُواْ إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً‏}‏‏.‏ في معنى قوله ‏{‏أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا‏}‏ في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير‏:‏

الأول ـ وهو الصواب الذي يشهد له القرآن، وعليه جمهور العلماء ـ أن الأمر في قوله ‏{‏أَمْرُنَا‏}‏ هو الأمر الذي هو ضد النهي، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره‏.‏ والمعنى‏:‏ ‏{‏أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا‏}‏ بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله وأتباعهم فيما جاؤوا به ‏{‏فَفَسَقُواْ‏}‏ أي خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله ‏{‏فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ‏}‏ أي وجب عليها الوعيد ‏{‏فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً‏}‏ أي أهلكناها إهلاكًا مستأصلًا‏.‏ وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم‏.‏

وهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ‏}‏‏.‏ فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله ‏{‏وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا‏}‏ أي أمرناهم بالطاعة فعصوا‏.‏ وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا‏.‏ لأن الله لا يأمر بالفحشاء‏.‏

ومن الآيات الدالة على هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ‏}‏‏.‏

فقوله في هذه الآية ‏{‏وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ‏}‏، لفظ عام في جميع المترفين من جميع القرى أن الرسل أمرتهم بطاعة الله فقالوا لهم‏:‏ إنا بما أرسلتم به كافرون، وتبجحوا بأموالهم وأولادهم‏.‏ والآيات بمثل ذلك كثيرة‏.‏

وبهذا التحقيق تعلم‏:‏ أن ما زعمه الزمخشري في كشافه من أن معنى ‏{‏أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا‏}‏ أي أمرناهم بالفسق ففسقوا‏.‏ وأن هذا مجاز تنزيلًا لإسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزلة الأمر بذلك ـ كلام كله ظاهر السقوط والبطلان‏.‏ وقد أوضح إبطاله أبو حيان في ‏"‏البحر‏"‏، والرازي في تفسيره، مع أنه لا يشك منصف عارف في بطلانه‏.‏

وهذا القول الصحيح في الآية جار على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم‏:‏ أمرته فعصاني‏.‏ أي أمرته بالطاعة فعصى‏.‏ وليس المعنى‏:‏ أمرته بالعصيان كما لا يخفى‏.‏

القول الثاني في الآية ـ هو أن الأمر في قوله ‏{‏أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا‏}‏ أمر كوني قدري، أي قدرنا عليهم ذلك وسخرناهم له‏.‏ لأن كلًا ميسر لما خلق له‏.‏ والأمر الكوني القدري كقوله ‏{‏وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً خَاسِئِينَ‏}‏، وقوله ‏{‏أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً‏}‏، وقوله ‏{‏إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ‏}‏‏.‏

القول الثالث في الآية ـ أن ‏"‏أَمَرْنَا‏"‏ بمعنى أكثرنا‏.‏ أي أكثرنا مترفيهًا ففسقوا‏.‏

وقال أبو عبيدة ‏{‏أَمْرُنَا‏}‏ بمعنى أكثرنا لغة فصيحة كآمرنا بالمد‏.‏

ويدل لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏خير مال امرىء مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة‏"‏‏.‏

قال ابن كثير‏:‏ قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله في كتابه ‏(‏الغريب‏)‏‏:‏ المأمورة‏:‏ كثيرة النسل‏.‏ والسكة‏:‏ الطريقة المصطفة من النخل‏.‏ والمأبورة‏:‏ من التأبير، وهو تعليق طلع الذكر على النخلة لئلا يسقط ثمرها‏.‏ ومعلوم أن إتيان المأمورة على وزن المفعول يدل على أن أمر بفتح الميم مجردًا عن الزوائد، متعد بنفسه إلى المفعول‏.‏ فيتضح كون أمره بمعنى أكثر‏.‏ وأنكر غير واحد تعدى أمر الثلاثي بمعنى الإكثار إلى المفعول وقالوا‏:‏ حديث سويد بن هبيرة المذكور من قبيل الازدواج، كقولهم‏:‏ الغدايا والعشايا، وكحديث ‏"‏ارجعن مأزورات غير مأجورات‏"‏ لأن الغدايا لا يجوز، وإنما ساغ للازدواج مع العشايا، وكذلك مأزورات بالهمز فهو على غير الأصل‏.‏ لأن المادة من الوزر بالواو‏.‏ إلا أن الهمز في قوله ‏"‏مأزورات‏"‏ للازدواج مع ‏"‏مأجورات‏"‏‏.‏ والازدواج يجوز فيه ما لا يجوز في غيره كما هو معلوم‏.‏ وعليه فقوله ‏"‏مأمورة‏"‏ إتباع لقوله ‏"‏مأبورة‏"‏ وإن كان مذكورًا قبله للمناسبة بين اللفظين‏.‏

وقال الشيخ أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة‏:‏ قوله تعالى ‏{‏أَمْرُنَا‏}‏ قرأ أبو عثمان النهدي، وأبو رجاء، وأبو العالية، والربيع، ومجاهد، والحسن ‏"‏أمرنا‏"‏ بالتشديد‏.‏ وهي قراءة على رضي الله عنه‏.‏ أي سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم‏.‏

وقال أبو عثمان النهدي ‏"‏أمَّرنا‏"‏ بتشديد الميم‏:‏ جعلناهم أمراء مسلطين‏.‏

وقاله ابن عزيز‏:‏ وتأمر عليهم تسلط عليهم‏.‏ وقرأ الحسن أيضًا، وقتادة، وأبو حيوة الشامي، ويعقوب، وخارجة عن نافع، وحماد بن سلمة عن ابن كثير وعلي وابن عباس باختلاف عنهما ‏"‏آمرنا‏"‏ بالمد والتخفيف‏.‏ أي أكثرنا جبابرتها وأمراءها‏.‏ قاله الكسائي‏.‏

وقال أبو عبيدة‏:‏ ‏"‏آمرته ـ بالمد ـ وأمرته لغتان بمعنى أكثرته‏.‏

ومنه الحديث ‏"‏خير المَال مهرة مأمورة أو سكة مأبورة‏"‏ أي كثيرة النتاج والنسل‏.‏ وكذلك قال ابن عزيز‏:‏ آمرنا وأمرنا بمعنى واحد‏.‏ أي أكثرنا‏.‏ وعن الحسن أيضًا، ويحيى بن يعمر‏:‏ أمرنا ـ بالقصر وكسر الميم ـ على فعلنا، ورويت عن ابن عباس‏.‏ قال قتادة والحسن‏:‏ المعنى أكثرنا، وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد‏.‏ وأنكره الكسائي وقال‏:‏ لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد، وأصلها أأمرنا فخفف ـ حكاه المهدوي‏.‏

وفي الصحاح‏:‏ قال أبو الحسن‏:‏ أمر ماله ـ بالكسر ـ أي كثر‏.‏ وأمر القوم‏:‏ أي كثروا‏.‏ قال الشاعر وهو الأعشى‏:‏ طرفون ولادون كل مبارك أمرون لا يرثون سهم القعدد

وآمر الله ماله ـ بالمد‏.‏ الثعلبي‏:‏ ويقال للشيء الكثير أمر‏.‏ والفعل منه أمر القوم يأمرون أمرًا‏:‏ إذا كثروا‏.‏

قال ابن مسعود‏:‏ كنا نقول في الجاهلية للحي إذا كثروا‏:‏ أمر أمر بني فلان‏:‏ قال لبيد‏:‏ كل بني حرة مصيرهم قل وإن أكثرت من العدد

إن يغبطوا يهبطوا وإن أمروا يومًا يصيروا للهلك والنكد

قلت‏:‏ وفي حديث هرقل الحديث الصحيح‏.‏ لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر‏.‏ أي كثر‏.‏ وكلها غير متعد، ولذلك أنكره الكسائي‏.‏ والله أعلم‏.‏

قال المهدوي‏:‏ ومن قرأ أمر فهي لغة‏.‏ ووجه تعدية أمر أنه شبهه بعمر من حيث كانت الكثرة أقرب شيء إلى العمارة‏.‏ فعدى كما عدى عمر ـ إلى أن قال‏:‏ وقيل أمرناهم جعلناهم أمراء‏.‏ لأن العرب تقول‏:‏ أمير غير مأمور، أي غير مؤمر‏.‏ وقيل معناه‏:‏ بعثنا مستكبريها‏.‏ قال هارون‏:‏ وهي قراءة أبي‏:‏ بعثنا أكابر مجرميها ففسقوا فيها ـ ذكره الماوردي‏.‏


وحكى النحاس‏:‏ وقال هارون في قراءة أبي‏:‏ وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها أكابر مجرميها فمكروا فيها فحق عليها القول اهـ محل الغرض من كلام القرطبي‏.‏

وقد علمت أن التحقيق الذي دل عليه القرآن أن معنى الآية‏:‏ أمرنا مترفيها بالطاعة فعصوا أمرنا‏.‏ فوجب عليهم الوعيد فأهلكناهم كما تقدم إيضاحه‏.‏

تنبيه

في هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال‏:‏ إن الله أسند الفسق فيها لخصوص المترفين دون غيرهم في قوله ‏{‏أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا‏}‏ مع أنه ذكر عموم الهلاك للجميع المترفين وغيرهم في قوله ‏{‏فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً‏}‏ يعني القرية، ولم يستثن منها غير المترفين‏؟‏

والجواب من وجهين‏:‏

الأول ـ أن غير المترفين تبع لهم‏.‏ وإنما خص بالذكر المترفين الذين هم سادتهم وكبراؤهم‏.‏ لأن غيرهم تبع لهم‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا‏}‏، وكقوله ‏{‏إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعاً قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأُولاَهُمْ رَبَّنَا هَـؤُلاء أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَـكِن لاَّ تَعْلَمُونَ‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَبَرَزُواْ لِلّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللّهِ مِن شَيْءٍ قَالُواْ لَوْ هَدَانَا اللّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاء لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِّنَ النَّارِ‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

الوجه الثاني ـ أن بعضهم إن عصى الله وبغى وطغى ولم ينههم الآخرون فإن الهلاك يعم الجميع‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ‏}‏، وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها‏:‏ أنها لما سمعت النَّبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏لا إله إلا الله، ويل للعرب من شرٍّ قد اقتربْ، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل، هذه ـ وحلق بإصبعه الإبهام والتي تليها‏"‏ قالت له‏:‏ يا رسول الله، أنهلك وفيناالصالحون‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم، إذا كثر الخبث‏"‏ وقد قدمنا هذا المبحث موضحًا في سورة المائدة‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً‏}‏‏.‏ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة‏:‏ أنه أهلك كثيرًا من القرون من بعد نوح‏.‏ لأن لفظة ‏{‏كَمْ‏}‏ في قوله ‏{‏وَكَمْ أَهْلَكْنَا‏}‏ خبرية، معناها الإخبار بعدد كثير‏.‏ وأنه جل وعلا خبير بصير بذنوب عباده‏.‏ وأكد ذلك بقوله ‏{‏وَكَفَى بِرَبِّكَ‏}‏‏.‏

وما دلت عليه هذه الآية الكريمة أوضحته آيات أخر من أربع جهات‏:‏

الأولى ـ أن في الآية تهديدًا لكفار مكة، وتخويفًا لهم من أن ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الأمم التي كذبت رسلها‏.‏ أي أهلكنا قرونًا كثيرة من بعد نوح بسبب تكذيبهم الرسل، فلا تكذبوا رسولنا لئلا نفعل بكم مثل ما فعلنا بهم‏.‏

والآيات التي أوضحت هذا المعنى كثيرة‏.‏ كقوله في قوم لوط ‏{‏وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ‏}‏، وكقوله فيهم أيضًا‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقيمٍ‏}‏، وقوله فيهم أيضًا‏:‏ ‏{‏وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا‏}‏، وقوله بعد ذكره جل وعلا إهلاكه لقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب في سورة الشعراء‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ‏}‏، وقوله في قوم موسى‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة عل تخويفهم بما وقع لمن قبلهم‏.‏

الجهة الثانية ـ أن هذه القرون تعرضت لبيانها آيات أخر‏.‏ فبينت كيفية إهلاك قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه من قوم موسى، وذلك مذكور في مواضع متعددة معلومة من كتاب الله تعالى‏.‏ وبين أن تلك القرون كثيرة في قوله‏:‏ ‏{‏وَعَاداً وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً‏}‏ وبين في موضع آخر‏:‏ أن منها ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وذلك في قوله في سورة إبراهيم ‏{‏أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وِأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَـكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ‏}‏‏.‏ وبين في موضعين آخرين أن رسلهم منهم من قص خبره على نبينا صلى الله عليه وسلم، ومنهم من لم يقصصه عليه‏.‏ وهما قوله في سورة النساء‏:‏ ‏{‏وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً‏}‏، وقوله في سورة المؤمن‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاء أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ‏}‏‏.‏ الجهة الثالثة ـ أن قوله ‏{‏مِن بَعْدِ نُوحٍ‏}‏ يدل على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح أنها على الإسلام‏.‏ كما قال ابن عباس‏:‏ كانت بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام ـ نقله عنه ابن كثير في تفسير هذه الآية‏.‏

وهذا المعنى تدل عليه آيات أخر‏.‏ كقوله ‏{‏كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ‏}‏، وقوله‏.‏ ‏{‏وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ‏}‏‏.‏ لأن معنى ذلك على أصح الأقوال أنهم كانوا على طريق الإسلام، حتى وقع ما وقع من قوم نوح من الكفر‏.‏ فبعث الله النَّبيين ينهون عن ذلك الكفر، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار‏.‏ وأولهم في ذلك نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام‏.‏

ويدل على هذا قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ‏}‏‏.‏ وفي أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح وغيرها أنهم يقولون لنوح‏:‏ إنه أول رسول بعثه الله لأهل الأرض كما قدمنا ذلك في سورة البقرة‏.‏

الجهة الرابعة ـ أن قوله ‏{‏وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً‏}‏ فيه أعظم زجر عن ارتكاب ما لا يرضي الله تعالى‏.‏

والآيات الموضحة لذلك كثيرة جدًا‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏ وقد قدمنا هذا المبحث موضحًا في أول سورة هود‏.‏ ولفظة ‏"‏كم‏"‏ في هذه الآية الكريمة في محل نصب مفعول به ‏"‏لأهلكنا‏"‏ و‏{‏مِنْ‏}‏ في قوله ‏{‏مِّنَ الْقُرُونِ‏}‏ بيان لقوله ‏{‏كَمْ‏}‏ وتمييز له كما يميز العدد بالجنس‏.‏ وأما لفظه ‏"‏من‏"‏ في قوله ‏{‏مِن بَعْدِ نُوحٍ‏}‏ فالظاهر أنها لابتداء الغاية، وهو الذي اختاره أبو حيان في ‏"‏البحر‏"‏‏.‏ وزعم الحوفي أن ‏"‏من‏"‏ الثانية بدل من الأولى، ورده عليه أبو حيان‏.‏ والعلم عند الله تعالى‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً‏}‏‏.‏ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة‏:‏ أن ‏{‏وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا‏}‏ أي عمل لها عملها الذي تنال به، وهو امتثال أمر الله، واجتباب نهيه بإخلاص على الوجه المشروع ‏{‏وَهُوَ مُؤْمِنٌ‏}‏ أي موحد لله جل وعلا، غير مشرك به ولا كافر به، فإن الله يشكر سعيه، بأن يثيبه الثواب الجزيل عن عمله القليل‏.‏

وفي الآية الدليل على أن الأعمال الصالحة لا تنفع إلا مع الإيمان بالله‏.‏

لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة، لأنه شرط في ذلك قوله ‏{‏وَهُوَ مُؤْمِنٌ‏}‏‏.‏

وقد أوضح تعالى هذا في آيات كثيرة‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيراً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ‏}‏ إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

ومفهوم هذه الآيات ـ أن غير المؤمنين إذا أطاع الله بإخلاص لا ينفعه ذلك‏.‏ لفقد شرط القبول الذي هو الإيمان بالله جل وعلا‏.‏

وقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات أخر‏.‏ كقوله في أعمال غير المؤمنين‏:‏ ‏{‏وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً‏}‏، إلى غير ذلك من الآيات‏.‏

وقد بين جل وعلا في مواضع أخر‏:‏ أن عمل الكافر الذي يتقرب به إلى الله يجازى به في الدنيا، ولاحظّ له منه في الآخرة‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ‏}‏، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ‏}‏‏.‏

وثبت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم نحو ما جاءت به هذه الآيات‏:‏ من انتفاع الكافر بعمله في الدنيا من حديث أنس، قال مسلم بن الحجاج رحمه الله في صحيحه‏:‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب ـ واللفظ لزهير ـ قالا‏:‏ حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها الآخرة‏.‏ وأَمَّا الكافر فيطعم بحسماته ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها‏"‏‏.‏

حدثنا عاصم بن النضر التيمي، حدثنا معتمر قال‏:‏ سمعت أبي، حدثنا قتادة عن أنس بن مالك‏:‏ أنه حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الكافر إذا عمل حسنة أُطعم بها طعمة من الدنيا‏.‏ وأَما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته‏"‏‏.‏

حدثنا محمد بن عبد الله الرزي، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديثهما‏.‏

واعلم أن هذا الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا‏:‏

كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف والجار، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك، كله مقيد بمشيئة الله تعالى‏.‏ كما نص على ذلك بقوله‏:‏ ‏{‏مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً‏}‏‏.‏

فهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث‏.‏ وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق، ولا سيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا‏.‏ وأشار له في ‏"‏مراقي السعود‏"‏ بقوله‏:‏ وحمل مطلق على ذاك وجب إن فيهما اتحد حكم والسبب

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً‏}‏‏.‏ الظاهر أن الخطاب في هذه الآية الكريمة متوجه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ليشرع لأمته على لسانه إخلاص التوحيد في العبادة له جل وعلا، لأنه صلى الله عليه وسلم معلوم أنه لا يجعل مع الله إلهًا آخر، وأنه لا يقعد مذمومًا مخذولًا‏.‏

ومن الآيات الدالة دلالة واضحة على أنه صلى الله عليه وسلم يوجه إليه الخطاب، والمراد بذلك التشريع لأمته لا نفس خطابه هو صلى الله عليه وسلم ـ‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً‏}‏‏.‏ لأن معنى قوله ‏{‏إِمَّا يَبْلُغَنَّ‏}‏‏:‏ أي إن يبلغ عندك والداك أو أحدهما الكبر فلا تقل لهما أف‏.‏ ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل‏.‏ فلا وجه لاشتراط بلوغهما أو أحدهما الكبر بعد أن ماتا منذ زمن طويل، إلا أن المراد التشريع لغيره صلى الله عليه وسلم‏.‏ ومن أساليب اللغة العربية خطابهم إنسانًا والمراد بالخطاب غيره‏.‏ ومن الأمثلة السائرة في ذلك قول الراجز، وهو سهل بن مالك الفزاري‏:‏ إياك أعني واسمعي يا جاره

وسبب هذا المثل‏:‏ أنه زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائبًا‏.‏ فأنزلته أخته وأكرمته، وكانت جميلة‏.‏ فأعجبه جمالها، فقال مخاطبًا لأخرى غيرها ليسمعها هي‏:‏ يا أخت خير البدو والحضارة كيف ترين في فتى فزاره

أصبح يهوى حرة معطاره إياك أعني واسمعي يا جاره

ففهمت المرأة مراده، وأجابته بقولها‏:‏ إني أقول يا فتى فزاره لا أبتغي الزوج ولا الدعاره

ولا فراق أهل هذي الحاره فارحل إلى أهلك باستحاره

والظاهر أن قولها ‏"‏باستحارة‏"‏ أن أصله استفعال من المحاورة بمعنى رجع الكلام بينهما ـ أي ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي وقعت بيني وبينك، وهي كلامك وجوابي له، ولا تحصل مني على غير ذلك? والهاء في ‏"‏الاستحارة‏"‏ عوض من العين الساقطة بالإعلال‏.‏ كما هو معروف في فن الصرف‏.‏

وذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطاب في قوله‏:‏ ‏{‏لاَّ تَجْعَل مَعَ اللّهِ إِلَـهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَّخْذُولاً‏}‏ ونحو ذلك من الآيات ـ متوجه إلى المكلف‏.‏ ومن أساليب اللغة العربية‏:‏ إفراد الخطاب مع قصد التعميم‏.‏ كقول طرفة بن العبد في معلقته‏:‏ ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود

وقال الفراء، والكسائي، والزمخشري‏:‏ ومعنى قوله ‏{‏فَتَقْعُدَ‏}‏ أي تصير‏.‏ وجعل الفراء منه قول الراجز‏:‏

لا يقنع الجارية الخضاب ولا الوشاحان ولا الجلباب

من دون أن تلتقي الأركاب ويقعد الأير له لعاب

أي يصير له لعاب‏.‏

وحكى الكسائي‏:‏ قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها‏.‏ بمعنى صار‏.‏ قاله أبو حيان في البحر‏.‏

ثم قال أيضًا‏:‏ والقعود هنا عبارة عن المكث، أي فتمكث في الناس مذمومًا مخذولًا‏.‏ كما تقول لمن سأل عن حال شخص‏:‏ هو قاعد في أسوإ حال‏.‏ ومعناه ماكث ومقيم‏.‏ سواء كان قائمًا أم جالسًا‏.‏ وقد يراد القعود حقيقة‏.‏ لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائرًا متفكرًا، وعبر بغالب حاله وهو القعود‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏فَتَقْعُدَ‏}‏ فتعجز‏.‏ والعرب تقول‏:‏ ما أقعدك عن المكارم اهـ محل الغرض من كلام أبي حيان‏.‏

والمذموم هنا‏:‏ هو من يلحقه الذم من الله ومن العقلاء من الناس‏.‏ حيث أشرك بالله ما لا ينفع ولا يضر، ولا يقدر على شيء‏.‏

والمخذول‏:‏ هو الذي لا ينصره من كان يؤمل منه النصر‏.‏ ومنه قوله‏:‏ إن المرء ميتًا بانقضاء حياته ولكن بأن يبغي عليه فيخذلا

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً‏}‏‏.‏ أمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بإخلاص العبادة له وحده، وقرن بذلك الأمر بالإحسان إلى الوالدين‏.‏

وجعله بر الوالدين مقرونًا بعبادته وحده جل وعلا المذكور هنا ذكره في آيات أخر‏.‏ كقوله في سورة ‏"‏النساء‏"‏‏:‏ ‏{‏وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً‏}‏، وقوله في البقرة‏:‏ ‏{‏وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً‏}‏، وقوله في سورة لقمان‏:‏ ‏{‏أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ‏}‏، وبين في موضوع آخر أن برهما لازم ولو كانا مشركين داعيين إلى شركهما‏.‏ كقوله في ‏"‏لقمان‏"‏‏:‏ ‏{‏وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً‏}‏، وقوله في ‏"‏العنكبوت‏"‏‏:‏ ‏{‏وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ‏}‏‏.‏

وذكره جل وعلا في هذه الآيات‏:‏ بر الوالدين مقرونًا بتوحيده جل وعلا في عبادته، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين‏.‏ وجاءت عن النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أحاديث كثيرة‏.‏

وقوله جل وعلا في الآيات المذكورة‏:‏ ‏{‏وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً‏}‏ بينه بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً‏}‏ لأن هذا من الإحسان إليهما المذكور في الآيات‏.‏ وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح معنى خفض الجناح، وإضافته إلى الذل في سورة ‏"‏الشعراء‏"‏ وقد أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في رسالتنا المسماة ‏"‏منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز‏"‏‏.‏

وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة‏:‏ ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ‏}‏ معناه‏:‏ أمر وألزم، وأوجب ووصى ألا تعبدوا إلا إياه‏.‏

وقال الزمخشري‏:‏ ‏{‏وَقَضَى رَبُّكَ‏}‏ أي أمر أمرًا مقطوعًا به‏.‏ واختار أبو حيان في ‏"‏البحر المحيط‏"‏ أن إعراب قوله ‏{‏إِحْسَانًا‏}‏ أنه مصدر نائب عن فعله‏.‏ فهو بمعنى الأمر، وعطف الأمر المعنوي أو الصريح على النهي معروف‏.‏ كقوله‏:‏

وقوفًا بها صحبي على مطيهم يقولون لا تهلك أسى وتجمل

وقال الزمخشري في الكشاف‏:‏ ‏{‏وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً‏}‏ أي وأحسنوا بالوالدين إحسانًا‏.‏ أو بأن تحسنوا بالوالدين إحسانًا‏.‏

‏{‏وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْءاً كَبِيراً وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُواْ بِالقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ‏ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلآئِكَةِ إِنَاثاً إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُواْ وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلاَّ نُفُوراً قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَـكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَاباً مَّسْتُوراً‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً‏}‏‏.‏ الضمير في قوله ‏{‏عَنْهُمُ‏}‏ راجع إلى المذكورين قبله في قوله‏:‏ ‏{‏وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ‏}‏‏.‏ ومعنى الآية‏:‏ إن تعرض عن هؤلاء المذكورين فلم تعطهم شيئًا لأنه ليس عندك‏.‏ وإعراضك المذكور عنهم ‏{‏ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا‏}‏ أي رزق حلال‏.‏ كالفيء يرزقكه الله فتعطيهم منه ‏{‏فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً‏}‏ أي لينًا لطيفًا طيبًا‏.‏ كالدعاء لهم بالغنى وسعة الرزق، ووعدهم بأن الله إذا يسر من فضله رزقًا أنك تعطيهم منه‏.‏

وهذا تعليم عظيم من الله لنبيه لمكارم الأخلاق، وأنه إن لم يقدر على الإعطاء الجميل فليتجمل في عدم الإعطاء‏.‏

لأن الرد الجميل خير من الإعطاء القبيح‏.‏

وهذا الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، صرح به الله جل وعلا في سورة ‏"‏البقرة‏"‏ في قوله‏:‏ ‏{‏قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ‏}‏، ولقد أجاد من قال‏:‏

إلا تكن ورق يومًا أجود بها للسائلين فإني لين العود

لا يعدم السائلون الخير من خلقي إما نوالى وإما حسن مردودي

والآية الكريمة تشير إلى أنه صلى الله عليه وسلم لا يعرض عن الإعطاء إلا عند عدم ما يعطى منه، وأن الرزق المنتظر إذا يسره الله فإنه يعطيهم منه، ولا يعرض عنهم‏.‏ وهذا هو غاية الجود وكرم الأخلاق‏.‏ وقال القرطبي‏:‏ قولًا ‏{‏مَّيْسُورًا‏}‏ مفعول بمعنى الفاعل من لفظ اليسر كالميمون‏.‏

وقد علمت مما قررنا أن قوله‏:‏ ‏{‏ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ‏}‏ متعلق بفعل الشرط الذي هو ‏{‏تُعْرِضَنَّ‏}‏ لا بجزاء الشرط‏.‏

وأجاز الزمخشري في الكشاف تعلقه بالجزاء وتقديمه عليه‏.‏ ومعنى ذلك‏:‏ فقل لهم قولًا ميسورًا ‏{‏ابْتِغَاء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ‏}‏‏.‏ أي يسر عليهم والطف بهم‏.‏ لابتغائك بذلك رحمة الله‏.‏ ورد ذلك عليه أبو حيان في ‏"‏البحر المحيط‏"‏ بأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبله‏.‏ قال‏:‏ لا يجوز في قولك إن يقم فاضرب خالدًا ـ أن تقول‏:‏ إن يقم خالدًا فاضرب‏.‏ وهذا منصوص عليه ـ انتهى‏.‏

وعن سعيد بن جبير رحمه الله‏:‏ أن الضمير في قوله ‏{‏وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ‏}‏ راجع للكفار‏.‏ أي إن تعرض عن الكفار ابتغاء رحمة من ربك، أي نصر لك عليهم، أو هداية من الله لهم‏.‏ وعلى هذا فالقول الميسور‏:‏ المداراة باللسان‏.‏ قاله أبو سليمان الدمشقي، انتهى من البحر‏.‏ ويسر بالتخفيف يكون لازمًا ومتعديًا، وميسور من المتعدي‏.‏ تقول‏:‏ يسرت لك كذا إذا أعددته‏.‏ قاله أبو حيان أيضًا‏.‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً‏}‏‏.‏ بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة‏:‏ أن من قتل مظلومًا فقد جعل الله لوليه سلطانًا، ونهاه عن الإسراف في القتل، ووعده بأنه منصور‏.‏




الأولى ـ أن يقتل اثنين أو أكثر بواحد، كما كانت العرب تفعله في الجاهلية‏.‏ كقول مهلهل بن ربيعة لما قتل بجير بن الحارث بن عباد في حرب البسوس المشهورة‏:‏ بؤبشسع نعل كليب‏.‏ فغضب الحارث بن عباد، وقال قصيدته المشهورة‏:‏ قربا مربط النعامة مني لقحت حرب وائل عن حيال

قربا مربط النعامة مني إن بيع الكرام بالشسع غالي ـ الخ

وقال مهلهل أيضًا‏:‏ كل قتيل في كليب غره حتى ينال القتل آل مره

ومعلوم أن قتل جماعة بواحد لم يشتركوا في قتله‏:‏ إسراف في القتل داخل في النهي المذكور في الآية الكريمة‏.‏

الثانية ـ أن يقتل بالقتيل واحدًا فقط ولكنه غير القاتل‏.‏ لأن قتل البريء بذنب غيره إسراف في القتل، منهي عنه في الآية أيضًا‏.‏

الثالثة ـ أن يقتل نفس القاتل ويمثل به‏.‏ فإن زيادة المثلة إسراف في القتل أيضًا‏.‏

وهذا هو التحقيق في معنى الآية الكريمة ـ فما ذكره بعض أهل العلم، ومال إليه الرازي في تفسيره بعض الميل، من أن معنى الآية‏:‏ فلا يسرف الظالم الجاني في القتل‏.‏ تخويفًا له من السلطان‏.‏ والنصر الذي جعله الله لولي المقتول لا يخفى ضعفه، وأنه لا يلتئم مع قوله بعده ‏{‏إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً‏}‏‏.‏

وهذا السلطان الذي جعله الله لولي المقتول لم يبينه هنا بيانًا مفصلًا، ولكنه أشار في موضعين إلى أن هذا السلطان‏:‏ هو ما جعله الله من السلطة لولي المقتول على القاتل، من تمكينه من قتله إن أحب‏.‏ ولا ينافي ذلك أنه إن شاء عفا على الدية أو مجانًا‏.‏

الأول ـ قوله هنا ‏{‏فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ‏}‏ بعد ذكر السلطان المذكور، لأن النهي عن الإسراف في القتل مقترنًا بذكر السلطان المذكور يدل على أن السلطان المذكور هو ذلك القتل المنهي عن الإسراف فيه‏.‏

الموضع الثاني ـ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى‏}‏ إلى قوله ‏{‏ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب‏}‏‏.‏ فهو يدل على أن السلطان المذكور هو ما تضمنته آية القصاص هذه، وخير ما يبين به القرآن القرآن‏.‏

مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة‏.‏

المسألة الأولى ـ يفهم من قوله ‏{‏مَظْلُومًا‏}‏ أن من قتل غير مظلوم ليس لوليه سلطان على قاتله، وهو كذلك، لأن من قتل بحق فدمه حلال، ولا سلطان لوليه في قتله‏.‏ كما قدمنا بذلك حديث ابن مسعود المتفق عليه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏لا يحل دم امرىء مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلا بإحدى ثلاث‏:‏ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة‏"‏ كما تقدم إيضاحه في سورة ‏"‏المائدة‏"‏‏.‏

وبينا هذا المفهوم في قوله ‏{‏مَظْلُومًا‏}‏ يظهر به بيان المفهوم في قوله أيضًا‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ‏}‏‏.‏

واعلم ـ أنه قد ورد في بعض الأدلة أسباب أخر لإباحة قتل المسلم غير الثلاث المذكورة، على اختلاف في ذلك بين العلماء‏.‏ من ذلك‏:‏ المحاربون إذا لم يقتلوا أحدًا‏.‏ عند من يقول بأن الإمام مخير بين الأمور الأربعة المذكورة في قوله‏:‏ ‏{‏أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ‏}‏‏.‏ كما تقدم إيضاحه مستوفى في سورة ‏"‏المائدة‏"‏‏.‏

ومن ذلك‏:‏ قتل الفاعل والمفعول به في فاحشة اللواط، وقد قدمنا الأقوال في ذلك وأدلتها بإيضاح في سورة ‏"‏هود‏"‏‏.‏

وأما قتل الساحر فلا يبعد دخوله في قتل الكافر المذكور في قوله ‏"‏التارك لدينه المفارق للجماعة‏"‏ لدلالة القرآن على كفر الساحر في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَـكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ‏}‏‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ويتعلمون‏}‏‏.‏

وأما قتل مانع الزكاة ـ فإنه إن أنكر وجوبها فهو كافر مرتد داخل في ‏"‏التارك لدينه المفارق للجماعة‏"‏‏.‏ وأما إن منعها وهو مقر بوجوبها فالذي يجوز فيه‏:‏ القتال لا القتل، وبين القتال والقتل فرق واضح معروف‏.‏

وأما ما ذكره بعض أهل العلم من‏:‏ أن من أتى بهيمة يقتل هو وتقتل البهيمة معه لحديث أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه‏"‏ قال الهيثمي في ‏"‏مجمع الزوائد‏"‏‏:‏ رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات‏.‏ ورواه ابن ماجه من طريق داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعًا‏.‏

وأكثر أهل العلم على أنه لا يقتل‏.‏ لأن حصر ما يباح به دم المسلم في الثلاث المذكورة في حديث ابن مسعود المتفق عليه أولى بالتقديم من هذا الحديث، مع التشديد العظيم في الكتاب والسنة في قتل المسلم بغير حق، إلى غير ذلك من المسائل المذكورة في الفروع‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ هذا الحصر في الثلاث المذكورة في حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح لا ينبغي أن يزاد عليه، إلا ما ثبت بوحي ثبوتًا لا مطعن فيه، لقوته‏.‏ والعلم عند الله تعالى‏.‏

المسألة الثانية ـ قد جاءت آيات أخر تدل على أن المقتول خطأ لا يدخل في هذا الحكم‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا‏}‏‏.‏ لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة‏:‏ أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لما قرأها، قال الله نعم قد فعلت‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً‏}‏ ثم بين ما يلزم القاتل خطأ بقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ‏}‏‏.‏ وقد بين صلى الله عليه وسلم الدية قدرًا وجنسًا كما هو معلوم في كتب الحديث والفقه كما سيأتي إيضاحه‏.‏

المسألة الثالثة ـ يفهم من إطلاق قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً‏}‏ أن حكم الآية يستوي فيه القتل بمحدد كالسلاح، وبغير محدد كرضخ الرأس بحجر ونحو ذلك‏.‏ لأن الجميع يصدق عليه اسم القتل ظلمًا فيجب القصاص‏.‏

وهذا قول جمهور العلماء، منهم مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايتين‏.‏

وقال النووي في ‏"‏شرح مسلم‏"‏‏:‏ هو مذهب جماهير العلماء‏.‏

وخالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى فقال‏:‏ لا يجب القصاص إلا في القتل بالمحدد خاصة، سواء كان من حديد، أو حجر، أو خشب، أو فيما كان معروفًا بقتل الناس كالمنجنيق، والإلقاء في النار‏.‏

واحتج الجمهور على أن القاتل عمدًا بغير المحدد يقتص منه بأدلة‏:‏

الأول ـ ما ذكرنا من إطلاق النصوص في ذلك‏.‏ الثاني ـ حديث أنس بن مالك المشهور الذي أخرجه الشيخان، وباقي الجماعة‏:‏ أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها، فرضخ رأسها بالحجارة، فاعترف بذلك فقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بين حجرين، رض رأسه بهما‏.‏

وهذا الحديث المتفق عليه نص صريح صحيح في محل النزاع، تقوم به الحجة على الإمام أبي حنيفة رحمه الله، ولا سيما على قوله‏:‏ باستواء دم المسلم والكافر المعصوم الدم كالذمي‏.‏

الثالث ـ ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه وغيرهما، عن حمل بن مالك من القصاص في القتل بالمسطح‏.‏ قال النسائي‏:‏ أخبرنا يوسف بن سعيد، قال حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال أخبرني عمرو بن دينار‏:‏ أنه سمع طاوسًا يحدث عن ابن عباس، عن عمر رضي الله عنه‏:‏ أنه نشد قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك‏.‏ فقام حمل بن مالك فقال‏:‏ كنت بين حجرتي امرأتين‏.‏ فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها‏.‏ فقضى النَّبي صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة، وأن تقتل بها‏.‏ وقال أبو داود‏:‏ حدثنا محمد بن مسعود المصيصي، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال‏:‏ أخبرني عمرو بن دينار‏:‏ أنه سمع طاوسًا عن ابن عباس، عن عمر‏:‏ أنه سأل في قضية النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال‏:‏

كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلها وجنينها‏.‏ فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنينها بغرة، وأن تقتل‏.‏ قال أبو داود‏:‏ قال النضر بن شميل‏:‏ المسطح هو الصولج‏.‏ قال أبو داود‏:‏ وقال أبو عبيد‏:‏ المسطح عود من أعواد الخباء‏.‏ وقال ابن ماجه‏:‏ حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي، ثنا أبو عاصم، أخبرني ابن جريج، حدثني عمرو بن دينار‏:‏ أنه سمع طاوسًا، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب أنه نَشَدَ الناس قضاء النَّبي صلى الله عليه وسلم في ذلك ‏(‏يعني في الجنين‏)‏ فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال‏:‏ كنت بين امرأتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وقتلت جنينها‏.‏ فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد، وأن تقتل بها‏.‏ انتهى من السنن الثلاث بألفاظها‏.‏

ولا يخفى أن هذا الإسناد صحيح‏.‏ فرواية أبي داود، عن محمد بن مسعود المصيصي وهو ابن مسعود بن يوسف النيسابوري، ويقال له المصيصي أبو جعفر العجمي نزيل طرسوس والمصيصة، وهو ثقة عارف‏.‏ ورواية ابن ماجه عن أحمد بن سعيد الدارمي، وهو ابن سعيد

بن صخر الدارمي أبو جعفر وهو ثقة حافظ، وكلاهما ‏(‏أعني محمد بن مسعود المذكور عند أبي داود، وأحمد بن سعيد المذكور عند ابن ماجه‏)‏ روي هذا الحديث عن أبي عاصم وهو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، وهو أبو عاصم النَّبيل، وهو ثقة ثبت‏.‏ والضحاك رواه عن ابن جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وهو ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل‏.‏ إلا أن هذا الحديث صرح فيه بالتحديث والاخبار عن عمرو بن دينار وهو ثقة ثبت، عن طاوس وهو ثقة فقيه فاضل، عن ابن عباس، عن حمل، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأما رواية النسائي فهي عن يوسف بن سعيد، وهو ابن سعيد بن مسلم المصيصي ثقة حافظ، عن حجاج بن محمد، وهو ابن محمد المصيصي الأعور أبو محمد الترمذي الأصل نزيل بغداد ثم المصيصة ثقة ثبت‏.‏ لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، عن ابن جريج، إلى آخر السند المذكور عند أبي داود وابن ماجه‏.‏ وهذا الحديث لم يخلط فيه حجاج

المذكور في روايته له عن ابن جريج‏.‏ بدليل رواية أبي عاصم له عند أبي داود وابن ماجه، عن ابن جريج كرواية حجاج المذكور عند النسائي‏.‏ وأبو عاصم ثقة ثبت‏.‏

رواه البيهقي عن عبد الرزاق، عن ابن جريج‏.‏ وجزم بصحة هذا الإسناد ابن حجر في الإصابة في ترجمة حمل المذكور‏.‏ وقال البيهقي في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏ في هذا الحديث‏:‏ وهذا إسناد صحيح وفيما ذكر أبو عيسى الترمذي في كتاب ‏"‏العلل‏"‏ قال‏:‏ سألت محمدًا ‏(‏يعني البخاري‏)‏ عن هذا الحديث فقال‏:‏ هذا حديث صحيح، رواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس‏.‏ وابن جريج حافظ اهـ‏.‏

فهذا الحديث نص قوي في القصاص في القتل بغير المحدد، لأن المسطح عمود‏.‏ قال الجوهري في صحاحه‏:‏ والمسطح أيضًا عمود الخباء‏.‏ قال الشاعر وهو مالك بن عوف النصري‏:‏ تعرض ضيطار وخزاعة دوننا وما خير ضيطار يقلب مسطحا

يقول‏:‏ تعرض لنا هؤلاء القوم ليقاتلونا وليسوا بشيء‏.‏ لأنهم لا سلاح معهم سوى المسطح والضيطار، هو الرجل الضخم الذي لا غناء عنده‏.‏

الرابع ـ ظواهر آيات من كتاب الله تدل على القصاص في القتل بغير المحدد‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ‏}‏، وقوله‏:‏ ‏{‏وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ‏}‏‏.‏

وفي الموطأ ما نصه‏:‏ وحدثني يحيى عن مالك، عن عمر بن حسين مولى عائشة بنت قدامة‏:‏ أن عبد الملك بن مروان أقاد ولي رجل من رجل قتله بعصًا‏.‏ فقتله وليه بعصًا‏.‏

قال مالك‏:‏ والأمر المجتمع عليه الذي لا اختلاف فيه عندنا‏:‏ أن الرجل إذا ضرب الرجل بعصا أو رماه بحجر، أو ضربه عمدًا فمات من ذلك‏.‏ فإن هذا هو العمد وفيه القصاص‏.‏

قال مالك‏:‏ فقتل العمد عندنا أن يعمد الرجل إلى الرجل فيضربه حتى تفيض نفسه اهـ محل الغرض عنه‏.‏

وقد قدمنا أن هذا القول بالقصاص في القتل بالمثقل هو الذي عليه جمهور العلماء‏.‏ منهم الأئمة الثلاثة، والنخعي، والزهري، وابن سيرين، وحماد، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، نقله عنهم ابن قدامة في المغني‏.‏

وخالف في ذلك أبو حنيفة، والحسن، والشعبي، وابن المسيب، وعطاء، وطاوس رحمهم الله فقالوا‏:‏ لا قصاص في القتل بالمثقل‏.‏ واحتج لهم بأدلة‏:‏

منها ـ أن القصاص يشترط له العمد، والعمد من أفعال القلوب، ولا يعلم إلا بالقرائن الجازمة الدالة عليه‏.‏ فإن كان القتل بآلة القتل كالمحدد، علم أنه عامد قتله‏.‏ وإن كان بغير ذلك لم يعلم عمده للقتل‏.‏ لاحتمال قصده أن يشجه أو يؤلمه من غير قصد قتله فيؤول إلى شبه العمد‏.‏

ومنها ـ ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال‏:‏ ‏"‏قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة‏.‏ ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت‏.‏ فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها‏.‏ وأن العقل على عصبتها‏"‏‏.‏

وفي رواية ‏"‏اقتتلت امرأتان من هذيل‏.‏ فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها‏.‏ فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها‏"‏‏.‏

قالوا‏:‏ فهذا حديث متفق، عليه يدل على عدم القصاص في القتل بغير المحدد‏.‏ لأن روايات هذا الحديث تدل على القتل بغير محدد، لأن في بعضها أنها قتلتها بعمود، وفي بعضها أنها قتلتها بحجر‏.‏

ومنها ـ ما روي عن النعمان بن بشير، وأبي هريرة، وعلي، وأبي بكرة رضي الله عنهم مرفوعًا‏:‏ أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏لا قود إلا بحديدة‏"‏‏.‏ وفي بعض رواياته ‏"‏كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطإ أرش‏"‏‏.‏

وقد حاول بعض من نصر هذا القول من الحنفية رد حجج مخالفيهم‏.‏ فزعم أن رض النَّبي صلى الله عليه وسلم رأس اليهودي بين حجرين إنما وقع بمجرد دعوى الجارية التي قتلها‏.‏ وأن ذلك دليل على أنه كان معروفًا بالإفساد في الأرض‏.‏ ولذلك فعل به صلى الله عليه وسلم ما فعل‏.‏

ورد رواية ابن جريج عن طاوس عن ابن عباس المتقدمة ـ بأنها مخالفة للروايات الثابتة في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما‏:‏ أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على عاقلة المرأة لا بالقصاص‏.‏

قال البيهقي في ‏(‏السنن الكبرى‏)‏ بعد أن ذكر صحة إسناد الحديث عن ابن عباس بالقصاص من المرأة التي قتلت الأخرى بمسطح كما تقدم ما نصه‏:‏ إلا أن لفظ الحديث زيادة لم أجدها في شيء من طرق هذا الحديث، وهي قتل المرأة بالمرأة‏.‏ وفي حديث عكرمة عن ابن عباس موصولًا، وحديث ابن طاوس عن أبيه مرسلًا، وحديث جابر وأبي هريرة موصولًا ثابتًا ـ أنه قضى بديتها على العاقلة‏.‏ انتهى محل الغرض من كلام البيهقي بلفظه‏.‏

وذكر البيهقي أيضًا‏:‏

أن عمرو بن دينار روجع في هذا الحديث بأن ابن طاوس رواه عن أبيه على خلاف رواية عمرو، فقال للذي راجعه‏:‏ شككتني‏.‏

وأجيب من قبل الجمهور عن هذه الاحتجاجات‏:‏ بأن رضه رأسه اليهودي قصاص‏.‏ ففي رواية ثابتة في الصحيحين وغيرهما‏:‏ أن النَّبي صلى الله عليه وسلم لم يقتله حتى اعترف بأنه قتل الجارية‏.‏ فهو قتل قصاص باعتراف القاتل، وهو نص متفق عليه، صريح في محل النزاع، ولا سيما عند من يقول باستواء دم المسلم والكافر كالذمي ـ كأبي حنيفة رحمه الله‏.‏

وأجابوا عن كون العمد من أفعال القلوب، وأنه لا يعلم كونه عامدًا إلا إذا ضرب بالآلة المعهودة للقتل ـ بأن المثقل كالعمود والصخرة الكبيرة من آلات القتل كالسيف‏.‏ لأن المشدوخ رأسه بعمود أو صخرة كبيرة يموت من ذلك حالًا عادة كما يموت المضروب بالسيف‏.‏ وذلك يكفي من القرينة على قصد القتل‏.‏


وأجابوا عما ثبت من قضاء النَّبي صلى الله عليه وسلم على عاقلة المرأة القاتلة بعمود أو حجر بالدية ـ من ثلاثة أوجه‏:‏

الأول‏:‏ أنه معارض بالرواية الصحيحة التي قدمناها عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث حمل بن مالك وهو كصاحب القصة‏.‏ لأن القاتلة والمقتولة زوجتاه ـ من كونه صلى الله عليه وسلم قضى فيها بالقصاص لا بالدية‏.‏

الثاني‏:‏ ما ذكره النووي في شرح مسلم وغيره قال‏:‏ وهذا محمول على حجر صغير وعمود صغير لا يقصد به القتل غالبًا‏.‏ فيكون شبه عمد تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص ولا دية على الجاني‏.‏ وهذا مذهب الشافعي والجماهير اهـ كلام النووي رحمه الله‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ وهذا الجواب غير وجيه عندي‏:‏ لأن في بعض الروايات الثابتة في الصحيح‏:‏ أنها قتلت بعمود فسطاط، وحمله على الصغير الذي لا يقتل بعيد‏.‏

الثالث‏:‏ هو ما ذكره ابن حجر في ‏"‏فتح الباري‏"‏ من أن مثل هذه المرأة لا تقصد غالبًا قتل الأخرى‏.‏ قال ما نصه‏:‏

وأجاب من قال به ـ يعني القصاص في القتل بالمثقل ـ بأن عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصغر، بحيث يقتل بعضه غالبًا ولا يقتل بعضه غالبًا‏.‏ وطرد المماثلة في القصاص إنما يشرع فيما إذا وقعت الجناية بما يقتل غالبًا‏.‏

وفي هذا الجواب نظر، فإن الذي يظهر أنه إنما لم يجب فيه القود لأنها لم يقصد مثلها وشرط القود العمد، وهذا إنما هو شبه العمد، فلا حجة فيه للقتل بالمثقل ولا عكسه‏.‏ انتهى كلام ابن حجر بلفظه‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ والدليل القاطع على أن قتل هذه المرأة لضرتها خطأ في القتل شبه عمد‏.‏ لقصد الضرب دون القتل بما لا يقتل غالبًا ـ تصريح الروايات المتفق عليها‏:‏ بأنه صلى الله عليه وسلم جعل الدية على العاقلة، والعاقلة لا تحمل العمد بإجماع المسلمين‏.‏

وأجابوا عن حديث ‏"‏لا قود إلا بحديدة‏"‏ بأنه لم يثبت‏.‏

قال البيهقي في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏ بعد أن ساق طرقه عن النعمان بن بشير، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وعلي رضي الله عنهم ما نصه‏:‏

وهذا الحديث لم يثبت له إسناد معلى بن هلال الطحان متروك، وسليمان بن أرقم ضعيف، ومبارك بن فضالة لا يحتج به، وجابر بن يزيد الجعفي مطعون فيه اهـ‏.‏

وقال ابن حجر ‏"‏في فتح الباري في باب إذا قتل بحجر أو عصا‏"‏ ما نصه‏:‏

وخالف الكوفيون فاحتجوا بحديث ‏"‏لا قود إلا بالسيف‏"‏ وهو حديث ضعيف أخرجه البزار، وابن عدي من حديث أبي بكرة‏.‏ وذكر البزار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده‏:‏ وقال ابن عدي‏:‏ طرقه كلها ضعيفة‏.‏ وعلى تقدير ثبوته فإنه على خلاف قاعدتهم في‏:‏ أن السنة لا تنسخ الكتاب ولا تخصصه‏.‏

واحتجوا أيضًا بالنهي عن المثلة، وهو صحيح ولكنه محمول عند الجمهور على غير المثلة في القصاص جمعًا بين الدليلين ـ انتهى الغرض من كلام ابن حجر بلفظه‏.‏

وقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في ‏"‏نيل الأوطار‏"‏ ما نصه‏:‏

وذهبت العترة والكوفيون، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه ـ إلى أن الاقتصاص لا يكون إلا بالسيف‏.‏ واستدلوا بحديث النعمان بن بشير عند ابن ماجه، والبزار، والطحاوي، والطبراني والبيهقي، بألفاظ مختلفة منها ‏"‏لا قود إلا بالسيف‏"‏‏.‏ وأخرجه ابن ماجه أيضًا، والبزار، والبيهقي من حديث أبي بكرة‏.‏ وأخرجه الدارقطني، والبيهقي، من حديث أبي هريرة‏.‏ وأخرجه الدارقطني من حديث علي‏.‏ وأخرجه البيهقي، والطبراني من حديث ابن مسعود‏.‏ وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن مرسلًا‏.‏

وهذه الطرق كلها لا تخلو واحدة منها من ضعيف أو متروك‏.‏ حتى قال أبو حاتم‏:‏ حديث منكر‏.‏ وقال عبد الحق وابن الجوزي‏:‏ طرقه كلها ضعيفة‏.‏ وقال البيهقي‏:‏ لم يثبت له إسناد‏.‏ انتهى محل الغرض من كلام الشوكاني رحمه الله تعالى‏.‏

ولا شك في ضعف هذا الحديث عند أهل العلم بالحديث‏.‏ وقد حاول الشيخ ابن التركماني تقويته في ‏"‏حاشيته على سنن البيهقي‏"‏ بدعوى تقوية جابر بن يزيد الجعفي، ومبارك بن فضالة‏.‏ مع أن جابرًا ضعيف رافضي، ومبارك يدلس تدليس التسوية‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ الذي يقتضي الدليل رجحانه عندي‏:‏ هو القصاص مطلقًا في القتل عمدًا بمثقل كان أو بمحدد‏.‏ لما ذكرنا من الأدلة، ولقوله جل وعلا‏:‏ ‏{‏ولكم في القصاص حياة‏}‏‏.‏ لأن القاتل بعمود أو صخرة كبيرة إذا علم أنه لا يقتص منه جرأه ذلك على القتل‏.‏ فتنتفي بذلك الحكمة المذكورة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولكم في القصاص حياة‏}‏‏.‏ والعلم عند الله تعالى‏.‏

المسألة الرابعة ـ جمهور العلماء على أن السلطان الذي جعله الله في هذه الآية لولي المقتول ظلمًا يستلزم الخيار بين ثلاثة أشياء‏:‏ وهي القصاص، والعفو على الدية جبرًا على الجاني، والعفو مجانًا في غير مقابل ـ وهو أحد قولي الشافعي‏.‏

قال النووي في شرح مسلم‏:‏ وبه قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور‏.‏ وعزاه ابن حجر في الفتح إلى الجمهور‏.‏

وخالف في ذلك مالك، وأبو حنيفة، والثوري رحمهم الله فقالوا‏:‏ ليس للولي إلا القصاص، أو العفو مجانًا‏.‏ فلو عفا على الدية وقال الجاني‏:‏ لا أرضى إلا القتل، أو العفو مجانًا، ولا أرضى الدية‏.‏ فليس لولي المقتول إلزامه الدية جبرًا‏.‏

واعلم أن الذين قالوا‏:‏ إن الخيار للولي بين القصاص والدية اختلفوا في عين ما يوجبه القتل عمدًا إلى قولين‏:‏ أحدهما ـ أنه القود فقط‏.‏ وعليه فالدية بدل منه‏.‏ والثاني ـ أنه أحد شيئين‏:‏ هما القصاص والدية‏.‏

وتظهر ثمرة هذا الخلاف فيما لو عفا عن الجاني عفوًا مطلقًا، لم يصرح فيه بإرادة الدية ولا العفو عنها‏.‏ فعلى أن الواجب عينا القصاص فإن الدية تسقط بالعفو المطلق‏.‏ وعلى أن الواجب أحد الأمرين فإن الدية تلزم مع العفو المطلق‏.‏ أما لو عفا على الدية فهي لازمة، ولو لم يرض الجاني عند أهل هذا القول‏.‏ والخلاف المذكور روايتان عن الشافعي، وأحمد رحمهما الله‏.‏

واحتج من قال‏:‏ بأن الخيار بين القصاص والدية لولي المقتول بقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى، وإما أن يقتل‏"‏ أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه‏.‏ لكن لفظ الترمذي‏:‏ ‏"‏إما أن تعفو وإما أن يقتل‏"‏‏.‏ ومعنى ‏"‏يفدى‏"‏ في بعض الروايات، ‏"‏ويودى‏"‏ في بعضها‏:‏ يأخذ الفداء بمعنى الدية‏.‏ وقوله ‏"‏يقتل‏"‏ بالبناء للفاعل‏:‏ أي يقتل قاتل وليه‏.‏

قالوا‏:‏ فهذا الحديث المتفق عليه نص في محل النزاع، مصرح بأن ولي المقتول مخير بين القصاص وأخذ الدية‏.‏ وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء‏.‏

وهذا الدليل قوي دلالة ومتنًا كما ترى‏.‏

واحتجوا أيضًا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ‏}‏‏.‏ قالوا‏:‏ إن الله جل وعلا رتب الاتباع بالدية بالفاء على العفو في قوله‏:‏ ‏{‏فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ‏}‏‏.‏ وذلك دليل واضح على أنه بمجرد العفو تلزم الدية، وهو دليل قرآني قوي أيضًا‏.‏

واحتج بعض العلماء للمخالفين في هذا‏.‏ كمالك وأبي حنيفة رحمهما الله بأدلة‏.‏ منها ما قاله الطحاوي‏:‏ وهو أن الحجة لهم حديث أنس في قصة الربيع عمته فقال النَّبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كتاب الله القصاص‏"‏ فإنه حكم بالقصاص ولم يخير‏.‏ ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النَّبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما‏.‏ فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله ‏"‏فهو بخير النظرين‏"‏ أي ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية اهـ‏.‏

وتعقب ابن حجر في ‏"‏فتح الباري‏"‏ احتجاج الطحاوي هذا بما نصه‏:‏ وتعقب بأنه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏كتاب الله القصاص‏"‏ إنما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود‏.‏ فأعلم أن الكتاب الله نزل على أن المجني إذا طلب القود أجيب إليه‏.‏ وليس فيما ادعاه من تأخير البيان‏.‏

الثاني ـ ما ذكره الطحاوي أيضًا‏:‏ من أنهم أجمعوا على أن الولي لو قال للقائل‏:‏ رضيت أن تعطيني كذا على ألا أقتلك ـ أن القاتل لا يجبر على ذلك‏.‏ ولا يؤخذ منه كرهًا، وإن كان يجب عليه أن يحقن دم نفسه‏.‏

الثالث ـ أن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المذكور ‏"‏فهو بخير النظرين‏.‏‏.‏‏"‏ الحديث جار مجرى الغالب فلا مفهوم مخالفة له‏.‏ وقد تقرر في الأصول‏:‏ أن النص إذا جرى على الغالب لا يكون له مفهوم مخالفة لاحتمال قصد نفس الأغلبية دون قصد إخراج المفهوم عن حكم المنطوق‏.‏ ولذا لم يعتبر جمهور العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم‏}‏‏.‏ لجريه على الغالب، وقد ذكرنا هذه المسألة في هذا الكتاب المبارك مرارًا‏.‏

وإيضاح ذلك في الحديث ـ أن مفهوم قوله ‏"‏فهو بخير النظرين‏"‏ أن الجاني لو امتنع من قبول الدية وقدم نفسه للقتل ممتنعًا من إعطاء الدية ـ أنه يجبر على إعطائها‏.‏ لأن هذا أحد النظرين اللذين خير الشارع ولي المقتول بينهما‏.‏ والغالب أن الإنسان يقدم نفسه على ماله فيفتدى بماله من القتل‏.‏ وجريان الحديث على هذا الأمر الغالب يمنع من اعتبار مفهوم مخالفته كما ذكره أهل الأصول، وعقده في ‏"‏مراقي السعود‏"‏ بقوله في موانع اعتبار دليل الخطاب، أعني مفهوم المخالفة‏:‏ أو جهل الحكم أو النطق انجلب للسؤل أو جري على الذي غلب

ومحل الشاهد قوله ‏"‏أو جري على الذي غلب‏"‏ إلى غير ذلك من الأدلة التي احتجوا بها‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة‏:‏ أو ولي المقتول هو المخير بين الأمرين، فلو أراد الدية وامتنع الجاني فله إجباره على دفعها‏.‏ لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك، ودلالة الآية المتقدمة عليه، ولأن الله يقول‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ‏}‏، ويقول‏:‏ ‏{‏وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ‏}‏‏.‏

ومن الأمر الواضح أنه إذا أراد إهلاك نفسه صونًا لماله للوارث ـ أن الشارع يمنعه من هذا التصرف الزائغ عن طريق الصواب، ويجبره على صون دمه بماله‏.‏

وما احتج به الطحاوي من الإجماع على أنه لو قال له‏:‏ أعطني كذا على ألا أقتلك لا يجبر على ذلك ـ يجاب عنه بأنه لو قال‏:‏ أعطني الدية المقررة في قتل العمد فإنه يجبر على ذلك‏.‏ لنص الحديث، والآية المذكورين‏.‏

ولو قال له‏:‏ أعطني كذا غير الدية لم يجبر‏.‏ لأنه طلب غير الشيء الذي أوجبه الشارع، والعلم عند الله تعالى‏.‏

المسألة الخامسة ـ جمهور العلماء على أن القتل له ثلاث حالات‏:‏

الأولى‏:‏ العمد، وهو الذي فيه السلطان المذكور في الآية كما قدمنا‏.‏

والثانية‏:‏ شبه العمد، والثالثة‏:‏ الخطأ‏.‏

وممن قال بهذا‏:‏ الأئمة الثلاثة‏:‏ أبو حنيفة، وأحمد، والشافعي‏.‏ ونقله في المغني عن عمر، وعلي رضي الله عنهما، والشعبي والنخعي، وقتادة، وحماد، وأهل العراق، والثوري، وغيرهم‏.‏

وخالف الجمهور مالك رحمه الله فقال‏:‏ القتل له حالتان فقط‏.‏ الأولى ـ العمد والثانية ـ الخطأ‏.‏ وما يسميه غيره شبه العمد جعله من العمد‏.‏ واستدل رحمه الله بأن الله لم يجعل في كتابه العزيز واسطة بين العمد والخطإ‏.‏ بل ظاهر القرآن أنه لا واسطة بينهما‏.‏ كقوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً وَمَن قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَئاً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ‏}‏، ثم قال في العمد‏:‏ ‏{‏وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ‏}‏، فلم يجعل بين الخطأ والعمد واسطة، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ‏}‏‏.‏ فلم يجعل فيها بين الخطإ والعمد واسطة وإن كانت في غير القتل‏.‏

واحتج الجمهور على أن هناك واسطة بين الخطأ المحض، والعمد المحض، تسمى خطأ شبه عمد بأمرين‏:‏

الأول ـ أن هذا هو عين الواقع في نفس الأمر‏.‏ لأن من ضرب بعصا صغيرة أو حجر صغير لا يحصل به القتل غالبًا وهو قاصد للضرب معتقدًا أن المضروب لا يقتله ذلك الضرب‏.‏ ففعله هذا شبه العمد من جهة قصده أصل الضرب وهو خطأ في القتل‏.‏ لأنه ما كان يقصد القتل، بل وقع القتل من غير قصده إياه‏.‏

والثاني ـ حديث دل على ذلك، وهو ما رواه أبو داود في سننه‏:‏ حدثنا سليمان بن حرب، ومسدد المعنى قالا‏:‏ حدثنا حماد، عن خالد، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ قال مسدد‏:‏ خطب يوم الفتح بمكة، فكبر ثلاثًا ثم قال‏:‏ ‏"‏لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده ‏(‏إلى ها هنا حفظته عن مسدد، ثم اتفقا‏)‏‏:‏ ألا أن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى من دم أو مال تحت قدميَّ، إلا ما كان من سقاية الحاج أو سدانة البيت ـ ثم قال ـ ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها، وحديث مسدد أتم‏.‏

حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا وهيب، عن خالد بهذا الإسناد نحو معناه‏.‏

حدثنا مسدد، ثنا عبد الوارث، عن علي بن زيد، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم بمعناه قال‏:‏ خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ـ أو فتح مكة ـ على درجة البيت أو الكعبة‏.‏

قال أبو داود‏:‏ كذا رواه ابن عيينة أيضًا عن علي بن زيد، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

رواه أيوب السختياني، عن القاسم بن ربيعة، عن عبد الله بن عمرو مثل حديث خالد ورواه حماد بن سلمة، عن علي بن يزيد، عن يعقوب السَّدوسي، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم اهـ محل الغرض من سنن أبي داود‏.‏

وأخرج النسائي نحوه، وذكر الاختلاف على أيوب في حديث القاسم بن ربيعة فيه، وذكر الاختلاف على خالد الحذاء فيه وأطال الكلام في ذلك‏.‏ وقد تركنا لفظ كلامه لطوله‏.‏

وقال ابن ماجه رحمه الله في سننه‏:‏ حدثنا محمد بن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن جعفر قالا‏:‏ حدثنا شعبة، عن أيوب‏:‏ سمعت القاسم بن ربيعة، عن عبد الله بن عمرو، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏قتيل الخطأ شبه العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل‏:‏ أربعون منها خلفة في بطونها أولادها‏"‏‏.‏

حدثنا محمد بن يحيى، ثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن خالد الحذَّاء عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عند عبد الله بن عمرو، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم نحوه‏.‏

حدثنا عبد الله بن محمد الزهري، ثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جدعان، سمعه من القاسم بن ربيعة عن ابن عمر‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يوم فتح مكة وهو على درج الكعبة، فحمد الله وأثنى عليه فقال‏:‏ ‏"‏الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده‏.‏ إلا أن قتيل الخطأ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل‏:‏ منها أربعون خلفة في بطونها أولادها‏"‏‏.‏ اهـ‏.‏


وساق البيهقي رحمه الله طرق هذا الحديث، وقال بعد أن ذكر الرواية عن ابن عمر التي في إسنادها علي بن زيد بن جدعان‏:‏ أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال‏:‏ سمعت محمد بن إسماعيل السكري يقول‏:‏ سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول‏:‏ حضرت مجلس المزني يومًا وسأله سائل من العراقيين عن شبه العمد‏.‏ فقال السائل‏:‏ إن الله تبارك وتعالى وصف القتل في كتابه صفتين‏:‏ عمدًا وخطأ‏.‏ فلم قلتم إنه على ثلاثة أصناف‏؟‏ ولم قلتم شبه العمد‏؟‏

فاحتج المزني بهذا الحديث فقال له مناظره‏:‏ أتحتج بعلي بن زيد بن جدعان‏؟‏ فسكت المزني‏.‏ فقلت لمناظره‏:‏ قد روى هذا الخبر غير علي بن زيد‏.‏ فقال‏:‏ ومن رواه غير علي‏؟‏ قلت‏:‏ رواه أيوب السختياني وخالد الحذَّاء‏.‏ قال لي‏:‏ فمن عقبة بن أوس‏؟‏ فقلت‏:‏ عقبة بن أوس رجل من أهل البصرة، وقد رواه عنه محمد بن سيرين مع جلالته‏.‏ فقال للمزني‏:‏ أنت تناظر? أو هذا‏؟‏ فقال‏:‏ إذا جاء الحديث فهو يناظر‏.‏ لأنه أعلم بالحديث مني، ثم أتكلم أنا اهـ ثم شرع البيهقي يسوق طرق الحديث المذكور‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ لا يخفى على من له أدنى معرفة بالأسانيد‏.‏ أن الحديث ثابت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأن الرواية عن ابن عمر وهم، وآفتها من علي بن زيد بن جدعان‏.‏ لأنه ضعيف‏.‏

والمعروف في علوم الحديث‏:‏ أن الحديث إذا جاء صحيحًا من وجه لا يعل بإتيانه من وجه آخر غير صحيح‏.‏ والقصة التي ذكرها البيهقي في مناظرة محمد بن إسحاق بن حزيمة للعراقي الذي ناظر المزني، تدل على صحة الاحتجاج بالحديث المذكور عند ابن خزيمة‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ إذا عرفت الاختلاف بين العلماء في حالات القتل‏:‏ هل هي ثلاث، أو اثنتان‏؟‏ وعرفت حجج الفريقين ـ فاعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه ما ذهب إليه الجمهور من أنها ثلاث حالات‏:‏ عمد محض، وخطأ محض، وشبه عمد‏.‏ لدلالة الحديث الذي ذكرنا على ذلك، ولأنه ذهب إليه الجمهور من علماء المسلمين‏.‏ والحديث إنما أثبت شيئًا سكت عنه القرآن، فغاية ما في الباب زيادة أمر سكت عنه القرآن بالسنة، وذلك لا إشكال فيه على الجاري على أصول الأئمة إلا أبا حنيفة رحمه الله‏.‏ لأن المقرر في أصوله أن الزيادة على النص نسخ، وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد‏.‏ كما تقدم إيضاحه في سورة ‏"‏الأنعام‏"‏‏.‏ ولكن الإمام أبا حنيفة رحمه الله وافق الجمهور في هذه المسألة، خلافًا لمالك كما تقدم‏.‏

فإذا تقرر ما ذكرنا من أن حالات القتل ثلاث ـ فاعلم أن العمد المحض فيه القصاص‏.‏ وقد قدمنا حكم العفو فيه‏.‏ والخطأ شبه العمد‏.‏ والخطأ المحض فيهما الدية على العاقلة‏.‏

واختلف العلماء في أسنان الدية فيهما‏.‏ وسنبين إن شاء الله تعالى مقادير الدية في العمد المحض إذا وقع العفو على الدية، وفي شبه العمد‏.‏ وفي الخطإ المحض‏.‏

اعلم أن الجمهور على أن الدية في العمد المحض وشبه العمد سواء‏.‏ واختلفوا في أسنانها فيهما‏.‏ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تكون أرباعًا‏:‏ خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة‏.‏

وهذا هو مذهب مالك وأبي حنيفة، والرواية المشهورة عن أحمد، وهو قول الزهري، وربيعة، وسليمان بن يسار، ويروى عن ابن مسعود‏.‏ كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني‏.‏

وذهبت جماعة أخرى إلى أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون في بطونها أولادها‏.‏

وهذا مذهب الشافعي، وبه قال عطاء، ومحمد بن الحسن، وروي عن عمر، وزيد، وأبي موسى، والمغيرة‏.‏ ورواه جماعة عن الإمام أحمد‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ وهذا القول هو الذي يقتضي الدليل رجحانه‏.‏ لما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه‏:‏ من أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏منها أربعون خلفة في بطونها أولادها‏"‏ وبعض طرقه صحيح كما تقدم‏.‏

وقال البيهقي في بيان الستين التي لم يتعرض لها هذا الحديث‏:‏ ‏(‏باب صفة الستين التي مع الأربعين‏)‏ ثم ساق أسانيده عن عمر، وزيد بن ثابت، والمغيرة بن شعبة، وأبي موسى الأشعري، وعثمان بن عفان، وعلي في إحدى روايتيه عنه أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة‏.‏

وقال ابن قدامة في المغني مستدلًا لهذا القول‏:‏ ودليله هو ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من قتل مؤمنًا متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوه، وإن شاؤوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا فهو لهم‏"‏ وذلك لتشديد القتل‏.‏ رواه الترمذي وقال‏:‏ هو حديث حسن غريب اهـ محل الغرض منه بلفظه، ثم ساق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي قدمنا‏.‏

ثم قال مستدلًا للقول الأول‏:‏ ووجه الأول ما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال‏:‏ ‏"‏كانت الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرباعًا‏:‏ خمسًا وعشرين جذعة، وخمسًا وعشرين حقة، وخمسًا وعشرين بنت لبون، وخمسًا وعشرين بنت مخاض‏"‏ وهو قول ابن مسعود اهـ منه‏.‏

وفي الموطإ عن مالك‏:‏ أن ابن شهاب كان يقول في دية العمد إذا قبلت‏:‏ خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة‏.‏ وقد قدمنا‏:‏ أن دية العمد، ودية شبه العمد سواء عند الجمهور‏.‏

وفي دية شبه العمد للعلماء أقوال غير ما ذكرنا‏.‏ منها ما رواه البيهقي، وأبو داود عن علي رضي الله عنه أنه قال‏:‏ في شبه العمد أثلاث‏:‏ ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها، وكلها خلفة‏.‏

ومنها ما رواه البيهقي وغيره عن ابن مسعود أيضًا‏:‏ أنها أرباع‏:‏ ربع بنات لبون، وربع حقاق وربع جذاع‏"‏ وربع ثنية إلى بازل عامها‏.‏ هذا حاصل أقوال أهل العلم في دية العمد، وشبه العمد‏.‏

وأولى الأقوال وأرجحها‏:‏ ما دلت عليه السنة، وهو ما قدمنا من كونها ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة في بطونها أولادها‏.‏

وقد قال البيهقي رحمه الله في السنن الكبرى بعد أن ساق الأقوال المذكورة ما نصه‏:‏ قد اختلفوا هذا الاختلاف، وقول من يوافق سنة النَّبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في الباب قبله أولى بالاتباع، وبالله التوفيق‏.‏

تنبيه

اعلم أن الدية في العمد المحض إذا عفا أولياء المقتول‏:‏ إنما هي في مال الجاني، ولا تحملها العاقلة إجماعًا‏.‏ وأظهر القولين‏:‏ أنها حالة غير منجمة في سنين‏.‏ وهو قول جمهور أهل العلم‏.‏ وقيل بتنجيمها‏.‏

وعند أبي حنيفة أن العمد ليس فيه دية مقررة أصلًا‏.‏ بل الواجب فيه ما انفق عليه الجاني وأولياء المقتول، قليلًا كان أو كثيرًا، وهو حال عنده‏.‏

أما الدية في شبه العمد فهي منجمة في ثلاث سنين، يدفع ثلثها في آخر كل سنة من السنين الثلاث، ويعتبر ابتداء السنة من حين وجوب الدية‏.‏

وقال بعض أهل العلم‏:‏ ابتداؤها من حين حكم الحاكم بالدية، وهي على العاقلة لما قدمناه في حديث أبي هريرة المتفق عليه من كونها على العاقلة‏.‏ وهو مذهب الأئمة الثلاثة‏:‏ أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد رحمهم الله‏.‏ وبه قال الشعبي والنخعي، والحكم، والثوري، وابن المنذر وغيرهم‏.‏ كما نقله عنهم صاحب المغني ـ وهذا القول هو الحق‏.‏

وذهب بعض أهل العلم إلى أن الدية في شبه العمد في مال الجاني لا على العاقلة‏.‏ لقصده الضرب وإن لم يقصد القتل‏.‏ وبهذا قال ابن سيرين، والزهري، والحارث العكلي، وابن شبرمة، وقتادة، وأبو ثور، واختارة أبو بكر عبد العزيز اهـ من ‏"‏المغني‏"‏ لابن قدامة‏.‏ وقد علمت أن الصواب خلافه‏.‏ لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك‏.‏

أما مالك رحمه الله فلا يقول بشبه العمد أصلًا‏.‏ فهو عنده عمد محض كما تقدم‏.‏

وأما الدية في الخطأ المحض فهو أخماس في قول أكثر أهل العلم‏.‏

واتفق أكثرهم على السن والصنف في أربع منها، واختلفوا في الخامس‏.‏ أما الأربع التي هي محل اتفاق الأكثر فهي عشرون جذعة، وعشرون حقة، وعشرون بنت لبون، وعشرون بنت مخاض‏.‏ وأما الخامس الذي هو محل الخلاف فبعض أهل العلم يقول‏:‏ هو عشرون ابن مخاض ذكرًا‏.‏ وهو مذهب أحمد، وأبي حنيفة، وبه قال ابن مسعود، والنخعي، وابن المنذر‏.‏ واستدل أهل هذا القول بحديث ابن مسعود الوارد بذلك‏.‏

قال أبو داود في سننه‏:‏ حدثنا مسدد، حدثنا عبد الواحد، ثنا الحجاج عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك الطائي، عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض ذكرٌ‏"‏‏.‏ وهو قول عبد الله ـ انتهى منه بلفظه‏.‏

وقال النسائي في سننه‏:‏ أخبرنا علي بن سعيد بن مسروق قال‏:‏ حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حجاج، عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك الطائي قال‏:‏ سمعت ابن مسعود يقول‏:‏ قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين ابن مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جَذَعة، وعشرين حِقَّة‏.‏

وقال ابن ماجه في سننه‏:‏ حدثنا عبد السلام بن عاصم، ثنا الصبَّاح بن محارب، ثنا حجاج بن أرطاة، ثنا زيد بن جبير، عن خشف بن مالك الطائي، عن عبد الله بن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني خاض ذكورًا‏"‏ ونحو هذا أخرجه الترمذي أيضًا عن ابن مسعود‏.‏

وأخرج الدارقطني عنه نحوه‏.‏ إلا أن فيه‏:‏ وعشرون بني لبون بدل بني مخاض‏.‏

وقال الحافظ في ‏"‏بلوغ المرام‏"‏‏:‏ إن إسناده أقوى من إسناد الأربعة‏.‏ قال‏:‏ وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر موقوفًا، وهو أصح من المرفوع‏.‏

وأما القول الثاني في هذا الخامس المختلف فيه ـ فهو أنه عشرون ابن لبون ذكرًا، مع عشرين جذعة، وعشرين حقة، وعشرين بنت لبون، وعشرين بنت مخاض‏.‏ وهذا هو مذهب مالك والشافعي‏.‏ وبه قال عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري، والليث، وربيعة‏.‏ كما نقله عنهم ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏ وقال‏:‏ هكذا رواه سعيد في سننه عن النخعي، عن ابن مسعود‏.‏

وقال الخطابي‏:‏ روي أن النَّبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ودي الذي قتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة‏"‏ وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض‏.‏

وقال البيهقي في السنن الكبرى‏:‏ وأخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن يوسف الرفاء البغدادي، أنبأ أبو عمرو عثمان بن محمد بن بشر، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس وعيسى بن مينا قالا‏:‏ حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، أن أباه قال‏:‏ كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهي إلى قولهم‏.‏ منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، في مشيخة جلة سواهم من نظرائهم، وربما اختلفوا في الشيء فأخذنا بقول أكثرهم وأفضلهم رأيًا، وكانوا يقولون‏:‏ العقل في الخطأ خمسة أخماس‏:‏ فخمس جذاع، وخمس حقاق، وخمس بنات لبون، وخمس بنات مخاض، وخمس بنو لبون ذكور، والسن في كل جرح قل أو كثر خمسة أخماس على هذه الصفة ـ انتهى كلام البيهقي رحمه الله‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ جعل بعضهم أقرب القولين دليلًا قول من قال‏:‏ إن الصنف الخامس من أبناء المخاض الذكور لا من أبناء اللبون‏.‏ لحديث عبد الله بن مسعود المرفوع المصرح بقضاء النَّبي صلى الله عليه وسلم بذلك‏.‏ قال‏:‏ والحديث المذكور وإن كان فيه ما فيه أولى من الأخذ بغيره من الرأي‏.‏

وسند أبي داود، والنسائي رجاله كلهم صالحون للاحتجاج‏.‏ إلا الحجاج بن أرطاة فإن فيه كلامًا كثيرًا واختلافًا بين العلماء‏.‏ فمنهم من يوثقه، ومنهم من يضعفه‏.‏ وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك تضعيف بعض أهل العلم له‏.‏

وقال فيه ابن حجر في التقريب‏:‏ صدوق كثير الخطأ والتدليس‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ حجاج المذكور من رجال مسلم‏.‏ وأعل أبو داود والبيهقي وغيرهما الحديث بالوقف على ابن مسعود، قالوا‏:‏ رفعه إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم خطأ، وقد أشرنا إلى ذلك قريبًا‏.‏

أما وجه صلاحية بقية رجال السنن ـ فالطبقة الأولى من سنده عند أبي داود مسدد وهو ثقة حافظ‏.‏ وعند النسائي سعيد بن علي بن سعيد بن مسروق الكندي الكوفي وهو صدوق‏.‏

والطبقة الثانية عند أبي داود عبد الواحد وهو ابن زياد العبدي مولاهم البصري ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال‏.‏ وعند النسائي يحيى بن زكريا بن أبي زائدة وهو ثقة متقن‏.‏

والطبقة الثالثة عندهما حجاج بن أرطاة المذكور‏.‏

والطبقة الرابعة عندهما زيد بن جبير وهو ثقة‏.‏

والطبقة الخامسة عندهما خشف بن مالك الطائي وثقه النسائي‏.‏

والطبقة السادسة عندهما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن النَّبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

والطبقة الأولى عند ابن ماجه عبد السلام بن عاصم الجعفي الهسنجاني الرازي وهو مقبول‏.‏

والطبقة الثانية عنده الصباح بن محارب التيمي الكوفي نزيل الري وهو صدوق، ربما خالف‏.‏

والطبقة الثالثة عنده حجاج بن أرطاة إلى آخر السند المذكور‏.‏


والحاصل ـ أن الحديث متكلم فيه من جهتين‏:‏ الأولى من قبل حجاج بن أرطاة، وقد ضعفه الأكثر، ووثقه بعضهم، وهو من رجال مسلم‏.‏ والثانية إعلاله بالوقف، وما احتج به الخطابي من أن النَّبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏ودى الذي قتل بخيبر من إبل الصدقة‏"‏ وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض‏.‏ يقال فيه‏:‏ إن الذي قتل في خيبر قتل عمدًا، وكلامنا في الخطأ‏.‏ وحجة من قال يجعل أبناء اللبون بدل أبناء المخاض رواية الدارقطني المرفوعة التي قال ابن حجر‏:‏ إن سندها أصح من رواية أبناء المخاض، وكثرة من قال بذلك من العلماء‏.‏

وفي دية الخطأ للعلماء أقوال أخر غير ما ذكرنا‏.‏ واستدلوا لها بأحاديث أخرى انظرها في ‏"‏سنن النسائي، وأبي داود، والبيهقي‏"‏ وغيرهم‏.‏

واعلم أن الدية على أهل الذهب ألف دينار‏.‏ وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم عند الجمهور‏.‏

وقال أبو حنيفة‏:‏ عشرة آلاف درهم‏.‏ وعلى أهل البقر مائتا بقرة‏.‏ وعلى أهل الشاء ألفا شاة‏.‏ وعلى أهل الحلل مائتا حلة‏.‏

قال أبو داود في سننه‏:‏ حدثنا يحيى بن حكيم، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، ثنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال‏:‏ كانت قيمة الدية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم‏.‏ ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين‏.‏

قال‏:‏ فكان ذلك كذلك، حتى استخلف عمر رحمه الله تعالى فقام خطيبًا فقال‏:‏ ألا إن الإبل قد غلت، قال‏:‏ ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة‏.‏ وترك دية أهل الذِّمة لم يرفعها فيما رفع من الدية‏.‏

حدثنا موسى بن اسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح شيئًا لم يحفظه محمد‏"‏‏.‏

قال أبو داود‏:‏ قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني قال‏:‏ ثنا أبو تميلة، ثنا محمد بن إسحاق قال‏:‏ ذكر عطاء عن جابر بن عبد الله قال‏:‏ فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏‏.‏ فذكر مثل حديث موسى ـ وقال‏:‏ وعلى أهل الطعام شيئًا لم أحفظه اهـ‏.‏ وقال النسائي في سننه‏:‏ أخبرنا أحمد بن سليمان قال‏:‏ حدثنا يزيد بن هارون، قال‏:‏ أنبأنا محمد بن راشد عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من قتل خطأ فديته مائة من الإبل‏:‏ ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور‏"‏‏.‏

قال‏:‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقومها على أهل القرى أربعمائة دينار، أو عدلها من الورق‏.‏ ويقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع قيمتها وإذا هانت نقص من قيمتها ـ على نحو الزمان ما كان‏.‏ فبلغ قيمتها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين الأربعمائة دينار، إلى ثمانمائة دينار أو عدلها من الورق‏.‏

قال‏:‏ وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من كان عقله في البقر‏:‏ على أهل البقر مائتي بقرة‏.‏ ومن كان عقله في الشاء‏:‏ ألفي شاة‏.‏ وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم، فما فضل فللعصبة‏"‏ وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏أن يعقل على المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثون منه إلا ما فضل عن ورثتها‏.‏ وإن قتلت فعقلها بين ورثتها وهم يقتلون قاتلها‏"‏‏.‏ وقال النسائي في سننه‏:‏ أخبرنا محمد بن المثنى، عن معاذ بن هانىء قال‏:‏ حدثني محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار ‏(‏ح‏)‏ وأخبرنا أبو داود قال‏:‏ حدثنا معاذ بن هانىء قال‏:‏ حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال‏:‏ قتل رجل رجلًا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فجعل النَّبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفًا ـ وذكر قوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ‏}‏ في أخذهم الدية واللفظ لأبي داود‏:‏ أخبرنا محمد بن ميمون قال‏:‏ حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس‏:‏

أن النَّبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏قضى باثني عشر ألفًا‏"‏ يعني في الدية ـ انتهى كلام النسائي رحمه الله‏.‏

وقال أبو داود في سننه أيضًا‏:‏ حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا زيد بن الحباب، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار عن عكرمة، عن ابن عباس‏:‏ أن رجلًا من بني عدي قتل‏.‏ فجعل النَّبي صلى الله عليه وسلم ديته اثني عشر ألفًا‏.‏ قال أبو داود‏:‏ رواه ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر ابن عباس‏.‏

وقال ابن ماجه في سننه‏:‏ حدثنا العباس بن جعفر، ثنا محمد بن سنان، ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏جعل الدية اثني عشر ألفًا‏"‏ قال‏:‏ وذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا نَقَمُواْ إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ‏}‏ قال‏:‏ بأخذهم الدية‏.‏

وفي الموطأ عن مالك‏:‏ أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم‏.‏ قال مالك‏:‏ فأهل الذهب أهل الشام وأهل مصر، وأهل الورق أهل العراق‏.‏

وعن مالك في الموطأ أيضًا‏:‏ أنه سمع أن الدية تقطع في ثلاث سنين أو أربع سنين‏.‏ قال مالك‏:‏ والثلاث أحب ما سمعت إلى في ذلك‏.‏

قال مالك‏:‏ الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يقبل من أهل القرى في الدية الإبل، ولا من أهل العمود الذهب ولا الورق، ولا من أهل الذهب الورق، ولا من أهل الورق الذهب‏.‏

فروع تتعلق بهذه المسألة‏.‏

الأول ـ جمهور أهل العلم على أن الدية في الخطأ وشبه العمد مؤجلة في ثلاث سنين، يدفع ثلثها في كل واحد من السنين الثلاث‏.‏

قال ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏‏:‏ ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين‏.‏ فإن عمر وعليًا رضي الله عنهما جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين، ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفًا‏.‏ فاتبعهم على ذلك أهل العلم اهـ‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ ومثل هذا يسمى إجماعًا سكوتيًا، وهو حجة ظنية عند جماعة من أهل الأصول، وأشار إلى ذلك صاحب ‏"‏مراقي السعود‏"‏ مع بيان شرط الاحتجاج به عند من يقول بذلك بقوله‏:‏

وجعل من سكت مثل من أقر فيه خلاف بينهم قد اشتهر

فالاحتجاج بالسكوتي نما تفريعه عليه من تقدما

وهو بفقد السخط والضد حرى مع مضي مهلة للنظر

وتأجيلها في ثلاث سنين هو قول أكثر أهل العلم‏.‏

الفرع الثاني ـ اختلف العلماء في نفس الجاني‏.‏ هل يلزمه قسط من دية الخطأ كواحد من العاقلة، أو لا‏.‏

فمذهب أبي حنيفة، ومشهور مذهب مالك‏:‏ أن الجاني يلزمه قسط من الدية كواحد من العاقلة‏.‏

وذهب الإمام أحمد، والشافعي‏:‏ إلى أنه لا يلزمه من الدية شيء، لظاهر حديث أبي هريرة المتفق عليه المتقدم‏:‏ أن النَّبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏قضى بالدية على عاقلة المرأة‏"‏ وظاهره قضاؤه بجميع الدية على العاقلة‏.‏ وحجة القول الآخر‏:‏ أن أصل الجناية عليه وهم معينون له‏.‏ فيتحمل عن نفسه مثل ما يتحمل رجل من عاقلته‏.‏

الفرع الثالث ـ اختلف العلماء في تعيين العاقلة التي تحمل عن الجاني دية الخطأ‏.‏

فمذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله‏:‏ أن العاقلة هم أهل ديوان القاتل إن كان القاتل من أهل ديوان، وأهل الديوان أهل الرايات، وهم الجيش الذين كتبت أسماؤهم في الديوان لمناصرة بعضهم بعضًا، تؤخذ الدية من عطاياهم في ثلاث سنين‏.‏

وإن لم يكن من أهل ديوان فعاقلته قبيلته، وتقسم عليهم في ثلاث سنين‏.‏ فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسبًا على ترتيب العصبات‏.‏

ومذهب مالك رحمه الله ـ البداءة بأهل الديوان أيضًا‏.‏ فتؤخذ الدية من عطاياهم في ثلاث سنين‏.‏ فإن لم يكن عطاؤهم قائمًا فعاقلته عصبته الأقرب فالأقرب‏.‏ ولا يحمل النساء ولا الصبيان شيئًا من العقل‏.‏

وليس لأموال العاقلة حد إذا بلغته عقلوا، ولا لما يؤخذ منهم حد‏.‏ ولا يكلف أغنياؤهم الأداء عن فقرائهم‏.‏

ومن لم تكن له عصبة فعقله في بيت مال المسلمين‏.‏

والموالي بمنزلة العصبة من القرابة‏.‏ ويدخل في القرابة الابن والأب‏.‏

قال سحنون‏:‏ إن كانت العاقلة ألفًا فهم قليل، يضم إليهم أقرب القبائل إليهم‏.‏

ومذهب أبي حنيفة رحمه الله‏:‏ أنه لا يؤخذ من واحد من أفراد العصبة من الدية أكثر من درهم وثلث في كل سنة من السنين الثلاث‏.‏ فالمجموع أربعة دراهم‏.‏

ومذهب أحمد والشافعي‏:‏ أن أهل الديوان لا مدخل لهم في العقل إلا إذا كانوا عصبة‏.‏ ومذهبهما رحمهما الله‏:‏ أن العاقلة هي العصبة، إلا أنهم اختلفوا هل يدخل في ذلك الأبناء والآباء‏؟‏ فعن أحمد في إحدى الروايتين‏:‏ أنهم داخلون في العصبة‏.‏ لأنهم أقرب العصبة‏.‏ وعن أحمد رواية أخرى والشافعي‏:‏ أنهم لا يدخلون في العاقلة‏.‏ لظاهر حديث أبي هريرة المتفق عليه المتقدم‏:‏ ‏"‏أن ميراث المرأة لولدها، والدية على عاقلتها‏"‏ وظاهره عدم دخول أولادها‏.‏ فقيس الآباء على الأولاد‏.‏

وقال ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏‏:‏ واختلف أهل العلم فيما يحمله كل واحد منهم‏.‏

فقال أحمد‏.‏ يحملون على قدر ما يطيقون‏.‏ هذا لا يتقدر شرعًا‏.‏ وإنما يرجح فيه إلى اجتهاد الحاكم‏.‏ فيفرض على كل واحد قدرًا يسهل ولا يؤذي، وهذا مذهب مالك‏.‏ لأن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف‏.‏ ولا يثبت بالرأي والتحكم‏.‏ ولا نص في هذه المسألة فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات‏.‏

وعن أحمد رواية أخرى‏:‏ أنه يفرض على الموسر نصف مثقال‏.‏ لأنه أقل مال يتقدر في الزكاة فكان معبرًا بها‏.‏ ويجب على المتوسط ربع مثقال، لأن ما دون ذلك تافه لكون اليد لا تقطع فيه‏.‏ وقد قالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ لا تقطع اليد في الشيء التافه، وما دون ربع دينار لا تقطع فيه‏.‏ وهذا اختيار أبي بكر، ومذهب الشافعي‏.‏




وقال أبو حنيفة‏:‏ أكثر ما يحمل على الواحد أربعة دراهم، وليس لأقله حد اهـ كلام صاحب ‏"‏المغني‏"‏‏.‏

الفرع الرابع ـ لا تحمل العاقلة شيئًا من الكفارة المنصوص عليها في قوله ‏{‏فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ‏}‏ بل هي في مال الجاني إجماعًا‏.‏ وشذ من قال‏:‏ هي في بيت المال‏.‏

والكفارة في قتل الخطأ واجبة إجماعًا بنص الآية الكريمة الصريحة في ذلك‏.‏

واختلفوا في العمد، واختلافهم فيه مشهور، وأجرى القولين على القياس عندي قول من قال‏:‏ لا كفارة في العمد، لأن العمد في القتل أعظم من أن يكفره العتق‏.‏ لقوله تعالى في القاتل عمدًا‏:‏ ‏{‏فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً‏}‏ فهذا الأمر أعلى وأفخم من أن يكفر بعتق رقبة‏.‏ والعلم عند الله تعالى‏.‏

والدية لا تحملها العاقلة إن كان القتل خطأ ثابتًا بإقرار الجاني ولم يصدقوه، بل إنما تحملها إن ثبت القتل بينة، كما ذهب إلى هذا عامة أهل العلم، منهم ابن عباس، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والزهري، وسليمان بن موسى، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق‏.‏ وبه قال الشافعي، وأحمد، ومالك، وأبو حنيفة وغيرهم‏.‏ والعلم عند الله تعالى‏.‏

الفرع الخامس ـ جمهور العلماء على أن دية المرأة الحرة المسلمة نصف دية الرجل الحر المسلم على ما بينا‏.‏

قال ابن المنذر، وابن عبد البر‏:‏ أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل‏.‏ وحكى غيرهما عن ابن علية والأصم أنهما قالا‏:‏ ديتها كدية الرجل‏.‏ وهذا قول شاذ، مخالف لإجماع الصحابة كما قاله صاحب المغني‏.‏

وجراح المرأة تساوي جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإن بلغت الثلث فعلى النصف‏.‏ قال ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏‏:‏ وروي هذا عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت‏.‏ وبه قال سعيد بن المسيب‏.‏ وعمر بن عبد العزيز وعروة بن الزبير، والزهري وقتادة، والأعرج، وربيعة، ومالك‏.‏

قال ابن عبد البر‏:‏ وهو قول فقهاء المدينة السبعة‏.‏ وجمهور أهل المدينة وحكي عن الشافعي في القديم‏.‏

وقال الحسن‏:‏ يستويان إلى النصف‏.‏ وروي عن علي رضي الله عنه‏:‏ أنها على النصف فيما قل أو أكثر‏.‏ وروي ذلك عن ابن سيرين‏.‏ وبه قال الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو حنيفة وأصحابه‏.‏ وأبو ثور، والشافعي في ظاهر مذهبه، واختاره ابن المنذر‏.‏ لأنهما شخصان تختلف دية نفسهما فاختلف أرش جراحهما اهـ وهذا القول أقيس‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ كلام ابن قدامة والخرقي صريح في أن ما بلغ ثلث الدية يستويان فيه، وأن تفضيله عليها بنصف الدية إنما هو فيما زاد على الثلث‏.‏ فمقتضى كلامهما أن دية جائفة المرأة ومأمومتها كدية جائفة الرجل ومأمومته‏.‏ لأن في كل من الجائفة والمأمومة ثلث الدية، وأن عقلها لا يكون على النصف من عقله إلا فيما زاد على الثلث، كدية أربعة أصابع من اليد، فإن فيها أربعين من الإبل، إذ في كل إصبع عشر، والأربعون أكثر من ثلث المائة‏.‏ وكلام مالك في الموطإ وغيره صريح في أن ما بلغ الثلث كالجائفة والمأمومة تكون دية المرأة فيه على النصف من دية الرجل، وأن محل استوائها إنما هو فيما دون الثلث خاصة كالموضحة والمنقلة، والإصبع والإصبعين والثلاثة‏.‏ وهما قولان معروفان لأهل العلم‏.‏ وأصحهما هو ما ذكرناه عن مالك، ورجحه ابن قدامة في آخر كلامه بالحديث الآتي إن شاء الله تعالى‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ وهذا القول مشكل جدًا لأنه يقتضي أن المرأة إن قطعت من يدها ثلاثة أصابع كانت ديتها ثلاثين من الإبل كأصابع الرجل لأنها دون الثلث‏.‏ وإن قطعت من يدها أربعة أصابع كانت ديتها عشرين من الإبل، لأنها زادت على الثلث فصارت على النصف من دية الرجل‏.‏ وكون دية الأصابع الثلاثة ثلاثين من الإبل، ودية الأصابع الأربعة في غاية الإشكال كما ترى‏.‏

وقد استشكل هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، على سعيد بن المسيب، فأجابه بأن هذا هو السنة‏.‏ ففي موطإ مالك رحمه الله عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال‏:‏ سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة‏؟‏ قال‏:‏ عشر من الإبل‏.‏ فقلت‏:‏ كم في إصبعين‏؟‏ قال‏:‏ عشرون من الإبل‏.‏ فقلت كم في ثلاث‏؟‏ فقال‏:‏ ثلاثون من الإبل‏.‏ فقلت‏:‏ كم في أربع‏؟‏ قال‏:‏ عشرون من الإبل‏.‏ فقلت‏:‏ حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها‏؟‏ فقال سعيد‏:‏ أعراقي أنت‏؟‏ فقلت‏.‏ بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم‏.‏ فقال سعيد‏:‏ هي السنة يا بن أخي?

وظاهر كلام سعيد هذا‏:‏ أن هذا من سنة النَّبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولو قلنا‏:‏ إن هذا له حكم الرفع فإنه مرسل، لأن سعيدًا لم يدرك زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ومراسيل سعيد بن المسيب قد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة ‏"‏الأنعام‏"‏ مع أن بعض أهل العلم قال‏:‏ إن مراده بالسنة هنا سنة أهل المدينة‏.‏

وقال النسائي رحمه الله في سننه‏:‏ أخبرنا عيسى بن يونس قال‏:‏ حدثنا حمزة، عن إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها‏"‏ اهـ وهذا يعضد قول سعيد‏.‏

إن هذا هو السنة‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ إسناد النسائي هذا ضعيف فيما يظهر من جهتين‏.‏

إحداهما ـ أن اسماعيل بن عياش رواه عن ابن جريج، ورواية إسماعيل المذكور عن غير الشاميين ضعيفة كما قدمنا إيضاحه‏.‏ وابن جريج ليس بشامي، بل هو حجازي مكي‏.‏

الثانية ـ أن ابن جريج عنعنه عن عمرو بن شعيب، وابن جريج رحمه الله مدلس، وعنعنة المدلس لا يحتج بها ما لم يثبت السماع من طريق أخرى كما تقرر في علوم الحديث‏.‏ ويؤيد هذا الإعلال ما قاله الترمذي رحمه الله‏:‏ من أن محمد بن إسماعيل يعني البخاري قال‏.‏ إن ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب، كما نقله عنه ابن حجر في ‏"‏تهذيب التهذيب‏"‏ في ترجمة ابن جريج المذكور‏.‏

وبما ذكرنا تعلم أن تصحيح ابن خزيمة لهذا الحديث غير صحيح‏.‏ وإن نقله عنه ابن حجر في ‏"‏بلوغ المرام‏"‏ وسكت عليه‏.‏ والله أعلم‏.‏ وهذا مع ما تقدم من كون ما تضمنه هذا الحديث يلزمه أن يكون في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثون، وفي أربعة أصابع عشرون‏.‏ وهذا مخالف لما عهد من حكمة هذا الشرع الكريم كما ترى‏.‏ اللهم إلا أن يقال‏:‏ إن جعل المرأة على النصف من الرجل فيما بلغ الثالث فصاعدًا أنه في الزائد فقط‏.‏ فيكون في أربعة أصابع من أصابعها خمس وثلاثون، فيكون النقص في العشرة الرابعة فقط‏.‏ وهذا معقول وظاهر، والحديث محتمل له، والله أعلم‏.‏

ومن الأدلة على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل ـ ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من وجهين عن عبادة بن نُسَي، عن ابن غنم، عن معاذ بن جبل قال قال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏دية المرأة على النصف من دية الرجل‏"‏ ثم قال البيهقي رحمه الله‏:‏ وروي من وجه آخر عن عبادة بن نسي وفيه ضعف‏.‏ ومعلوم أن عبادة بن نُسَي ثقة فاضل‏.‏ فالضعف الذي يعنيه البيهقي من غيره‏.‏ وأخرج البيهقي أيضًا عن علي مرفوعًا ‏"‏دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل‏"‏ وهو من رواية إبراهيم النخعي عنه وفيه انقطاع‏.‏ وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه، وأخرجه أيضًا من وجه آخر عنه وعن عمر ـ قاله الشوكاني رحمه الله‏.‏

الفرع السادس ـ اعلم أن أصح الأقوال وأظهرها دليلًا‏:‏ أن دية الكافر الذمي على النصف من دية المسلم‏.‏ كما قدمنا عن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما‏:‏ أن دية أهل الكتاب كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على النصف من دية المسلمين، وأن عمر لم يرفعها فيما رفع عند تقويمه الدية لما غلت الإبل‏.‏

وقال أبو داود أيضًا في سننه‏:‏ حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، ثنا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏دية المعاهد نصف دية الحر‏"‏ قال أبو داود‏:‏ ورواه أسامة بن زيد الليثي، وعبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو بن شعيب مثله اهـ‏.‏

وقال النسائي في سننه‏:‏ أخبرنا عمرو بن علي قال‏:‏ حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى‏.‏‏.‏ ـ وذكر كلمة معناها ـ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين ـ وهم اليهود والنصارى‏"‏ أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح قال‏:‏ أنبأنا ابن وهب قال‏:‏ أخبرني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏عقل الكافر نصف عقل المؤمن‏"‏‏.‏

وقال ابن ماجه رحمه الله في سننه‏:‏ حدثنا هشام بن عمار، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عياش، عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏"‏قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى‏"‏‏.‏ وأخرج نحوه الإمام أحمد، والترمذي، عن عمرو عن أبيه عن جده‏.‏

قال الشوكاني في ‏"‏نيل الأوطار‏"‏‏.‏ وحديث عمرو بن شعيب هذا حسنه الترمذي، وصححه ابن الجارود‏.‏ وبهذا تعلم أن هذا القول أولى من قول من قال‏:‏ دية أهل الذمة كدية المسلمين‏.‏ كأبي حنيفة ومن وافقه‏.‏ ومن قال‏:‏ إنها قدر ثلث دية المسلم‏.‏ كالشافعي ومن وافقه‏.‏ والعلم عند الله تعالى‏.‏

واعلم أن الروايات التي جاءت بأن دية الذمي والمعاهد كدية المسلم ضعيفة لا يحتج بها‏.‏ وقد بين البيهقي رحمه الله تعالى ضعفها في ‏"‏السنن الكبرى‏"‏ وقد حاول ابن التركماني رحمه الله في حاشيته على سنن البيهقي أن يجعل تلك الروايات صالحة للاحتجاج، وهي ليس فيها شيء صحيح‏.‏

أما الاستدلال بظاهر قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ‏}‏ فيقال فيه‏:‏ هذه دلالة اقتران، وهي غير معتبرة عند الجمهور‏.‏ وغاية ما في الباب‏:‏ أن الآية لم تبين قدر دية المسلم ولا الكافر، والسنة بينت أن دية الكافر على النصف من دية المسلم‏.‏ وهذا لا إشكال فيه‏.‏

أما استواؤهما في قدر الكفارة فلا دليل فيه على الدية‏.‏ لأنها مسألة أخرى‏.‏

الأدلة التي ذكرنا دلالتها أنها على النصف من دية المسلم أقوى، ويؤيدها‏:‏ أن في الكتاب الذي كتبه النَّبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم‏:‏ ‏"‏وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل‏"‏ فمفهوم قوله ‏"‏المؤمنة‏"‏ أن النفس الكافرة ليست كذلك‏.‏ على أن المخالف في هذه الإمام أبو حنيفة رحمه الله، والمقرر في أصوله‏:‏ أنه لا يعتبر دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة كما هو معلوم عنه‏.‏ ولا يقول بحمل المطلق على المقيد‏.‏ فيستدل بإطلاق النفس عن قيد الإيمان في الأدلة الأخرى على شمولها للكافر‏.‏ والقول بالفرق بين الكافر المقتول عمدًا فتكون ديتة كدية المسلم، وبين المقتول خطأ فتكون على النصف من دية المسلم ـ لا نعلم له مستندًا من كتاب ولا سنة‏.‏ والعلم عند الله تعالى‏.‏

وأما دية المجوسي ـ فأكثر أهل العلم على أنها ثلث خمس دية المسلم‏.‏ فهو ثمانمائة درهم‏.‏ ونساؤهم على النصف من ذلك‏.‏

وهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر أهل العلم‏.‏ منهم عمر وعثمان، وابن مسعود رضي الله عنهم، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وإسحاق‏.‏

وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال‏:‏ ديته نصف دية المسلم كدية الكتابي‏.‏

وقال النخعي، والشعبي‏:‏ ديته كدية المسلم‏.‏ وهذا هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله‏.‏

والاستدلال على أن دية المجوسي كدية الكتابي بحديث ‏"‏سنُّوا بهم سنَّة أهل الكتاب‏"‏ لا يتجه‏.‏ لأنا لو فرضنا صلاحية الحديث للاحتجاج، فالمراد به أخذ الجزية منهم فقط‏.‏ بدليل أن نساءهم لا تحل، وذبائحهم لا تؤكل اهـ‏.‏

وقال ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏‏:‏ إن قول من ذكرنا من الصحابة‏:‏ إن دية المجوسي ثلث خمس دية المسلم، لم يخالفهم فيه أحد من الصحابة فصار إجماعًا سكوتيًا‏.‏ وقد قدمنا قول من قال‏:‏ إنه حجة‏.‏

وقال بعض أهل العلم‏:‏ دية المرتد إن قتل قبل الاستتابة كدية المجوسي‏.‏ وهو مذهب مالك‏.‏ وأما الحربيون فلا دية لهم مطلقًا‏.‏ والعلم عند الله تعالى‏.‏


الفرع السابع ـ اعلم أن العلماء اختلفوا في موجب التغليظ في الدية‏.‏ وبم تغلظ‏؟‏ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تغلظ بثلاثة أشياء‏:‏ وهي القتل في الحرم، وكون المقتول محرمًا بحج أو عمرة، أو في الأشهر الحرم‏.‏ فتغلظ الدية في كل واحد منها بزيادة ثلثها‏.‏

فمن قتل محرمًا فعليه دية وثلث‏.‏ ومن قتل محرمًا في الحرم فدية وثلثان‏.‏ ومن قتل محرمًا في الحرم في الشهر الحرام فديتان‏.‏

وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله‏.‏ وروي نحوه عن عمر، وعثمان، وابن عباس رضي الله عنهم‏.‏ نقله عنهم البيهقي وغيره‏.‏

وممن روى عنه هذا القول‏:‏ سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد‏.‏ وقتادة، والأوزاعي، وإسحاق، وغيرهم‏.‏ كما نقله عنهم صاحب المغني‏.‏

وقال أصحاب الشافعي رحمه الله‏:‏ تغلظ الدية بالحرم، والأشهر الحرم، وذي الرحم المحرم، وفي تغليظها بالإحرام عنهم وجهان‏.‏

وصفة التغليظ عند الشافعي‏:‏ هي أن تجعل دية العمد في الخطأ‏.‏ ولا تغلظ الدية عند مالك رحمه الله في قتل الوالد ولده قتلًا شبه عمد‏.‏ كما فعل المدلجي بأبيه‏.‏ والجد والأم عنده كالأب‏.‏

وتغليظها عنده‏:‏ هو تثليثها بكونها ثلاثين حقه، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة في بطونها أولادها، لا يبالي من أي الأسنان كانت‏.‏ ولا يرث الأب عنده في هذه الصورة من دية الولد ولا من ماله شيئًا‏.‏

وظاهر الأدلة أن القاتل لا يرث مطلقًا من دية ولا غيرها، سواء كان القتل عمدًا أو خطأ‏.‏

وفرق المالكية في الخطأ بين الدية وغيرها‏.‏ فمنعوا ميراثه من الدية دون غيرها من مال التركة‏.‏ والإطلاق أظهر من هذا التفصيل، والله أعلم‏.‏ وقصة المدلجي‏:‏ هي ما رواه مالك في الموطإ، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن شعيب‏:‏ أن رجلًا من بني مدلج يقال له ‏"‏قتادة‏"‏ حذف ابنه بالسيف‏.‏ فأصاب ساقه فنزى في جرحه فمات‏.‏ فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له‏.‏ فقال له عمر‏:‏ أعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك‏.‏ فلما قدم إليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، وقال‏:‏ أين أخو المقتول‏؟‏ قال‏:‏ ها أنذا‏.‏ قال‏:‏ خذها‏.‏ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏ليس لقاتل شيء‏"‏‏.‏

الفرع الثامن ـ اعلم أن دية المقتول ميراث بين ورثته‏.‏ كسائر ما خلفه من تركته‏.‏

ومن الأدلة الدالة على ذلك، ما روي عن سعيد بن المسيب‏:‏ أن عمر رضي الله عنه قال‏:‏ الدية للعاقلة، لا ترث المرأة من دية زوجها‏.‏ حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلي أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها‏.‏ رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه‏.‏ ورواه مالك في الموطإ من رواية ابن شهاب عن عمر وزاد‏:‏ قال ابن شهاب‏:‏ وكان قتلهم أشيم خطأ‏.‏ وما روي عن الضحاك بن سفيان رضي الله عنه‏.‏ روي نحوه عن المغيرة بن شعبة وزرارة بن جري‏.‏ كما ذكره الزرقاني في شرح الموطإ‏.‏

ومنها ما رواه عمر بن شعيب عن أبيه عن جده‏:‏ أن النَّبي صلى الله عليه وسلم ‏"‏قضى أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم‏"‏ رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه‏.‏ وقد قدمنا نص هذا الحديث عند النسائي في حديث طويل‏.‏

وهذا الحديث قواه ابن عبد البر، وأعله النسائي‏.‏ قاله الشوكاني‏.‏ وهو معتضد بما تقدم وبما يأتي، وبإجماع الحجة من أهل العلم على مقتضاه‏.‏

ومنها ما رواه البخاري في تاريخه عن قرة بن دعموص النميري قال‏:‏ أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم أنا وعمي، فقلت‏:‏ يا رسول الله، عند هذا دية أبي فمره يعطنيها وكان قتل في الجاهلية‏.‏ فقال‏:‏ ‏"‏أعطه دية أبيه‏"‏ فقلت‏:‏ هل لأمي فيها حق‏؟‏ قال‏:‏ ‏"‏نعم‏"‏ وكانت ديته مائة من الإبل‏.‏

وقد ساقه البخاري في التاريخ هكذا‏:‏ قال قيس بن حفص‏:‏ أنا الفضيل بن سليمان النميري قال‏:‏ أنا عائذ بن ربيعة بن قيس النميري قال‏:‏ حدثني قرة بن دعموص قال‏:‏ أتيت النَّبي صلى الله عليه وسلم أنا وعمي ـ إلى آخر الحديث باللفظ الذي ذكرنا‏.‏ وسكت عليه البخاري رحمه الله‏.‏ ورجال إسناده صالحون للاحتجاج‏.‏ إلا عائذ بن ربيعة بن قيس النميري فلم نر من جرحه ولا من عدله‏.‏

وذكر له البخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ترجمة، وذكرًا أنه سمع قرة بن دعموص ـ ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا‏.‏

وظاهر هذه الأدلة يقتضي أن دية المقتول تقسم كسائر تركته على فرائض الله، وهو الظاهر‏.‏ سواء كان القتل عمدًا أو خطأ‏.‏ ولا يخلو ذلك من خلاف‏.‏

وروي عن علي رضي الله عنه أنها ميراث كقول الجمهور، وعنه رواية أخرى‏:‏ أن الدية لا يرثها إلا العصبة الذين يعقلون عنه، وكان هذا هو رأي عمر، وقد رجع عنه لما أخبره الضحاك بأمر النَّبي صلى الله عليه وسلم إياه‏:‏ أن يورث زوجة أشيم المذكور من دية زوجها‏.‏

وقال أبو ثور‏:‏ هي ميراث، ولكنها لا تقضي منها ديونه‏.‏ ولا تنفذ منها وصاياه‏.‏ وعن أحمد رواية بذلك‏.‏

قال ابن قدامة في ‏"‏المغني‏"‏‏:‏ وقد ذكر الخرقي فيمن أوصى بثلث ماله لرجل فقتل وأخذت ديته‏.‏ فللموصى له بالثلث ثلث الدية ـ في إحدى الروايتين‏.‏

والأخرى‏:‏ ليس لمن أوصى له بالثلث من الدية شيء‏.‏

ومبنى هذا‏:‏ على أن الدية ملك للميت، أو على ملك الورثة ابتداء‏.‏ وفيه روايتان‏:‏ إحداهما أنها تحدث على ملك الميت‏.‏ لأنها بدل نفسه، فيكون بدلها له كدية أطرافه المقطوعة منه في الحياة، ولأنه لو أسقطها عن القاتل بعد جرحه إياه كان صحيحًا وليس له إسقاط حق الورثة، ولأنها مال موروث فاشبهت سائر أمواله‏.‏ والأخرى أنها تحدث على ملك الورثة ابتداء‏.‏ لأنها إنما تستحق بعد الموت وبالموت تزول أملاك الميت الثابتة له، ويخرج عن أن يكون أهلًا لذلك، وإنما يثبت الملك لورثته ابتداء‏.‏ ولا أعلم خلافًا في أن الميت يجهز منها اهـ محل الغرض من كلام ابن قدامة رحمه الله‏.‏

قال مقيده عفا الله عنه‏:‏ أظهر القولين عندي‏:‏ أنه يقرر ملك الميت لديته عند موته فتورث كسائر أملاكه‏.‏ لتصريح النَّبي صلى الله عليه وسلم للضحاك في الحديث المذكور بتوريث امرأة أشيم الضبابي من ديته‏.‏ والميراث لا يطلق شرعًا إلا على ما كان مملوكًا للميت، والله تعالى أعلم‏.‏

القرآن وعلومه - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1-3)