3 آذار 2010

 


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ‏.‏‏.‏ أما بعد‏:‏

فهذه رسالة نُخرجها للناس لِـتَـثْبيتِ نساء المؤمنين على الفضيلة، وكشف دعاوى المستغربين إلى الرذيلة، إذ حياة المسلمين المتمسكين بدينهم اليوم، المبنية على إقامة العبودية لله تعالى، وعلى الطهر والعفاف، والحياء، والغيرة حياة محفوفة بالأخطار من كل جانب، بجلب أمراض الشبهات في الاعتقادات والعبادات، وأمراض الشهوات في السلوك والاجتماعيات، وتعميقها في حياة المسلمين في أسوأ مخطط مسخر لحرب الإسلام، وأسوأ مؤامرة على الأمة الإسلامية، تبناها‏:‏ ‏(‏‏(‏النظام العالمي الجديد‏)‏‏)‏ في إطار نظرية الخلط ـ وهي المسماة في عصرنا ‏:‏ العولمة، أو الشوملة، أو الكوكبة - بين الحق والباطل، والمعروف والمنكر، والصالح والطالح، والسنة والبدعة، والسني والبدعي، والقرآن والكتب المنسوخة المحرفة كالتوراة والإنجيل، والمسجد والكنيسة، والمسلم والكافر، ووحدة الأديان، ونظرية الخلط هذه أنكى مكيدة، لتذويب الدِّين في نفوس المؤمنين، وتحويل جماعة المسلمين إلى سائمة تُسَام، وقطيع مهزوز اعتقادُه، غارق في شهواته، مستغرق في ملذّاته، متبلد في إحساسه، لا يعرف معروفًا ولا يُنكر منكرًا، حتى ينقلب منهم من غلبت عليه الشقاوة على عقبيه خاسرًا، ويرتد منهم من يرتد عن دينه بالتدريج ‏.‏

كل هذا يجري باقتحام الولاء والبراء، وتَسريب الحب والبغض في الله، وإلجام الأقلام، وكفّ الألسنة عن قول كلمة الحق، وصناعة الاتهامات لمن بقيت عنده بقية من خير، ورميه بلباس‏:‏ الإرهاب والتطرف والغلو والرجعية، إلى آخر ألقاب الذي كفروا للذين أسلموا، والذين استغربوا للذين آمنوا وثبتوا، والذين غلبوا على أمرهم للذين استُضعفوا‏.‏

ومِن أشأم هذه المخاطر، وأشدّها نفوذًا في تمييع الأمة، وإغراقها في شهواتها، وانحلال أخلاقها، سعي دعاة الفتنة الذين تولوا عن حماية الفضائل الإسلامية في نسائهم ونساء المؤمنين، إلى مدارج الفتنة، وإشاعة الفاحشة ونشرها، وعدلوا عن حفظ نقاء الأعراض وحراستها إلى زلزلتها عن مكانتها، وفتح أبواب الأطماع في اقتحامها، كل هذا من خلال الدعوات الآثمة، والشعارات المضللة باسم حقوق المرأة، وحريتها، ومساواتها بالرجل ‏.‏‏.‏ وهكذا، من دعوات في قوائم يطول شرحها، تناولوها بعقول صغيرة، وأفكار مريضة، يترجلون بالمناداة إليها في بلاد الإسلام، وفي المجتمعات المستقيمة لإسقاط الحجاب وخلعه، ونشر التبرج والسفور والعري والخلاعة والاختلاط، حتى يقول لسان حال المرأة المتبرجة‏:‏ ‏(‏هَـيْتَ لكم أيها الإباحيون‏)‏ ‏.‏

وقد تلطفوا في المكيدة، فبدؤوا بوضع لبنة الاختلاط بين الجنسين في رياض الأطفال، وبرامج الأطفال في وسائل الإعلام، وركن التعارف بين الأطفال، وتقديم طاقات ـ وليس باقات ـ الزهور من الجنسين في الاحتفالات، وهكذا يُخترق الحجاب، ويُؤسَّس الاختلاط، بمثل هذه البدايات التي يستسهلها كثير من الناس‏!‏‏!‏

وكثير من الناس تغيب عنهم مقاصد البدايات، كما تغيب عنهم معرفة مصادرها، كما في تجدد الأزياء ـ الموضة ـ الفاضحة الهابطة، فإنها من لدن البغايا اللائي خسرن أعراضهن، فأخذن بعرض أنفسهن بأزياء متجددة، هي غاية في العري والسفالة، وقد شُحنت بها الأسواق، وتبارى النساء في السبق إلى شرائها، ولو علموا مصدرها المتعفن، لتباعد عنها الذين فيهم بقية من حياء ‏.‏

ومن البدايات المحرمة

‏:‏ إلباس الأطفال الملابس العارية، لما فيها من إيلاف الأطفال على هذه الملابس والزينة، بما فيها من تشبه وعُريّ وتهتك‏.‏

وهكذا سلكوا شتى السبل، وصاحوا بسفور المرأة وتبرجها من كل جانب، بالدعوة تارة، وبالتنفيذ تارة، وبنشر أسباب الفساد تارة، حتى صار الناس في أمر مريج، وتَزلْزَل الإيمان في نفوس كثيرين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم‏.‏

إذًا ‏!‏‏!‏ لابد من كلمة حق ترفع الضَّيم عن نساء المؤمنين، وتدفع شر المستغربين المعتدين على الدين والأمة، وتُعْلِن التذكير بما تعبّد الله به نساء المؤمنين من فرض الحجاب، وحفظ الحياء والعفة والاحتشام، والغيرة على المحارم، والتحذير مما حرّمه الله ورسوله من حرب الفضيلة بالتبرج والسفور والاختلاط، وتفقأ الحصرم في وجوه خونة الفضيلة، ودعاة الرذيلة، ليقول لسان حال العفيفة‏:‏

إليكَ عني ‏!‏ إليكَ عني ** فَلَسْتُ منك ولستَ مني

ولِـيُثَبِّت الله بها من شاء من عباده على صيانة محارمهم، وصون نسائهم من هذه الدعوات، وأنه لا مجال لحمل شيء منها محمل إحسان، لما يشاهده المسلمون من تيار الخلاعة والمجون والسفور، وشيوع الفاحشة في عامة المجتمعات الإسلامية التي سرت فيها هذه الدعايات المضللة ‏.‏

بل إن الصحافة تسفّلت في النقيصة، فنشرت كلمات بعض المقبوحين بإعلان هواية مقدمات البغاء، مثل‏:‏ المعاكسة، وقول بعض الوضعيين‏:‏ إنه يهوى معاكسة بنات ذوي النسب، وهكذا من صيحات التشرد النفسي، والانفلات الأخلاقي‏.‏

وليتق الله امرؤ من أب أو ابن أو أخ أو زوج ونحوهم، ولاّه الله أمر امرأة أن يتركها تنحرف عن الحجاب إلى السفور، ومن الاحتشام إلى الاختلاط، والحذر من تقديم أطماع الدنيا وملاذّ النفوس على ما هو خير وأبقى من حفظ العِرض، والأجر العريض في الآخرة ‏.‏

وعلى نساء المسلمين أن يتقين الله، وأن يسلمن الوجه لله، والقيادة لمحمد بن عبدالله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا يلتفتن إلى الهمل دعاة الفواحش والأفن‏.‏

ومن كان صادق الإيمان قوي اليقين تحصن بالله، واستقام على شرعه‏.‏

والآن هذه رسالة تنير السبيل في ‏:‏

أصول في الفضيلة وحراستها وحث المؤمنات على التزامها ‏.‏

وفي كشف دعاة المرأة إلى الرذيلة وتحذير المؤمنات من الوقوع فيها ‏.‏

وبالفصل الأول يعلم قطعًا الرد على الثاني ‏.‏

وفيما ذُكر ـ إن شاء الله ـ مقنع وهداية، وعظة وكفاية، لمن نوَّر الله بصيرته، وأراد هدايته وتثبيته، وكل امرئٍ حسيب نفسه، فلينظر موضع صَدَره وورده، وقد أبلغت وحسبي الله ونعم الوكيل ‏.‏

هذا وإن هذه الرسالة خلاصة انتَـخَلْتها واستخلصتها من نحو مئتي كتاب ورسالة ومقالة عن المرأة، عدا كتب التفسير والحديث والفقه ونحوها، ولم أرد إثقال هذه الرسالة بعزو بعض العبارات والجمل إلى مواضعها، اكتفاءً بهذه الإشارة، وإن مما يثبِّت الله به قلوب المؤمنين والمؤمنات، إظهار جملة من اللفتات لأسرار التنـزيل في عدد من الآيات، وفي هذه الرسالة طائفة مباركة منها، كما ستراه في مثاني الصفحات‏.‏

وأسأل الله سبحانه أن يُلْبِسَها حُلَل القبول، والحمد لله رب العالمين ‏.‏

المؤلف

بكر بن عبد الله أبو زيد

1/ 4/ 1420هـ


الفوارق بين الرجل والمرأة ، الجسدية والمعنوية والشرعية، ثابتة قدرًا وشرعًا، وحسًا وعقلًا‏.‏

بيان ذلك‏:‏ أن الله سبحانه وتعالى خلق الرجل والمرأة شطرين للنوع الإنساني‏:‏ ذكرًا وأنثى ‏{‏وأنـّـه خلَق الزوجين الذكر والأنثى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏ 45‏]‏ ، يشتركان في عِمارة الكون كلٌّ فيما يخصه، ويشتركان في عمارته بالعبودية لله تعالى، بلا فرق بين الرجال والنساء في عموم الدين‏:‏ في التوحيد، والاعتقاد، وحقائق الإيمان، وإسلام الوجه لله تعالى، وفي الثواب والعقاب، وفي عموم الترغيب والترهيب، والفضائل‏.‏ وبلا فرق أيضًا في عموم التشريع في الحقوق والواجبات كافة‏:‏ ‏{‏وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون‏}‏ ‏[‏الذاريات‏:‏ 56‏]‏ ، وقال سبحانه ‏:‏ ‏{‏مَن عَمِلَ صالحًا مِن ذكرٍ أَو أُنثى وَهُو مؤمن فلنحْيِيَنَّه حياة طيبة‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 97‏]‏ ‏.‏ وقال عز شأنه‏:‏ ‏{‏ومن يعمل من الصالِحَاتِ من ذكرٍ أو أنثَى وَهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يُظْلمون نقيرًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 124‏]‏ ‏.‏

لكن لما قَدَّر الله وقضى أن الذكر ليس كالأنثى في صِفة الخلقة والهيئة والتكوين، ففي الذكورة كمال خَلقي، وقوة طبيعية، والأنثى أنقص منه خلقة وجِبِلَّة وطبيعةً، لما يعتريها من الحيض، والحمل، والمخاض، والإرضاع، وشؤون الرضيع، وتربية جيل الأمة المقبل، ولهذا خلقت الأنثى من ضِلع آدم عليه السلام، فهي جزء منه، تابع له، ومتاع له، والرجل مؤتمن على القيام بشؤونها وحفظها والإنفاق عليها، وعلى نتاجهما من الذرية‏.‏

كان من آثار هذا الاختلاف في الخلقة‏:‏ الاختلاف بينهما في القوى، والقُدرات الجسدية، والعقلية، والفكرية، والعاطفية، والإرادية، وفي العمل والأداء، والكفاية في ذلك، إضافة إلى ما توصل إليه علماء الطب الحديث من عجائب الآثار من تفاوت الخلق بين الجنسين ‏.‏

وهذان النوعان من الاختلاف أنيطت بهما جملة كبيرة من أحكام التشريع، فقد أوجبا ـ ببالغ حكمة الله العليم الخبير ـ الاختلاف والتفاوت والتفاضل بين الرجل والمرأة في بعض أحكام التشريع، في المهمات والوظائف التي تُلائم كلَّ واحد منهما في خِلقته وتكوينه، وفي قدراته وأدائه، واختصاص كل منهما في مجاله من الحياة الإنسانية، لتتكامل الحياة، وليقوم كل منهما بمهمته فيها ‏.‏

فخصَّ سبحانه الرجال ببعض الأحكام، التي تلائم خلقتهم وتكوينهم، وتركيب بنيتهم، وخصائص تركيبها، وأهليتهم، وكفايتهم في الأداء، وصبرهم وَجَلدهم ورزانتهم، وجملة وظيفتهم خارج البيت، والسعي والإنفاق على من في البيت‏.‏

وخص سبحانه النساء ببعض الأحكام التي تلائم خلقتهن وتكوينهن، وتركيب بنيتهن، وخصائصهن، وأهليتهن، وأداءهن، وضعف تحملهن، وجملة وظيفتهن ومهمتهن في البيت، والقيام بشؤون البيت، وتربية من فيه من جيل الأمة المقبل‏.‏

وذكر الله عن امرأة قولها‏:‏ ‏{‏وليس الذكر كالأنثى‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 36‏]‏ ، وسبحانه من له الخلق والأمر والحكم والتشريع‏:‏ ‏{‏ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 54‏]‏‏.‏

فتلك إرادة الله الكونية القدرية في الخلق والتكوين والمواهب، وهذه إرادة الله الدينية الشرعية في الأمر والحكم والتشريع، فالتقت الإرادتان على مصالح العباد وعمارة الكون، وانتظام حياة الفرد والبيت والجماعة والمجتمع الإنساني ‏.‏

وهذا طرف مما اختص به كل واحد منهما

فمن الأحكام التي اختص بها الرجال‏:‏

أنهم قوامون على البيوت بالحفظ والرعاية وحراسة الفضيلة، وكف الرذائل، والذود عن الحمى من الغوائل، وقَوّامون على البيوت بمن فيها بالكسب والإنفاق عليهم ‏.‏

قال الله تعالى ‏:‏ ‏{‏الرجال قَوَّامونَ على النسَاء بِما فضَّل اللهُ بعضهمْ على بعضٍ وبِما أنفقوا مِن أمْوالهم فالصَّالحِات قانتاتٌ حافظاتٌ للغيبِ بما حفظ

الله‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 34‏]‏‏.‏

وانظر إلى أثر هذا القيام في لفظ القرآن العظيم‏:‏ ‏{‏تَحْتَ‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 10‏]‏ ‏.‏ في قول الله تعالى في سورة التحريم‏:‏ ‏{‏ضرب الله مثلًا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 10‏]‏ ‏.‏

فقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏تحت‏}‏ إعلام بأنه لا سلطان لهما على زوجيهما، وإنما السلطان للزوجين عليهما، فالمرأة لا تُسَاوَى بالرجل ولا تعلو فوقه أبدًا ‏.‏

ومنها ‏:‏ أن النبوة والرسالة لا تكون إلا في الرجال دون النساء، قال الله تعالى ‏:‏ ‏{‏وما أرسلنا من قبلك إلا رجالًا نوحي إليهم‏}‏ ‏[‏يوسف‏:‏ 109‏]‏‏.‏

قال المفسرون‏:‏ ما بعث الله نبيًا‏:‏ امرأة، ولا ملكًا، ولا جنيًا، ولا بدويًا ‏.‏

وأن الولاية العامة، والنيابة عنها، كالقضاء والإدارة وغيرهما، وسائر الولايات كالولاية في النكاح، لا تكون إلا للرجال دون النساء ‏.‏

وأن الرجال اختصوا بكثير من العبادات دون النساء، مثل ‏:‏ فرض الجهاد، والجُمع، والجماعات، والأذان والإقامة وغيرها، وجُعل الطلاق بيد الرجل لا بيدها، والأولاد ينسبون إليه لا إليها ‏.‏

وأن للرجل ضعف ما للأنثى في الميراث، والدية، والشهادة وغيرها ‏.‏

وهذه وغيرها من الأحكام التي اختص بها الرجال هو معنى ما ذكره الله سبحانه في آخر آية الطلاق ‏[‏228 من سورة البقرة‏]‏ في قوله تعالى ‏:‏ ‏{‏وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 228‏]‏‏.‏

وأما الأحكام التي اختص الله بها النساء فكثيرة تنتظم أبواب‏:‏ العبادات، والمعاملات، والأنكحة وما يتبعها، والقضاء وغيرها، وهي معلومة في القرآن والسنة والمدونات الفقهية، بل أفردت بالتأليف قديمًا وحديثًا ‏.‏

ومنها ما يتعلق بحجابها وحراسة فضيلتها ‏.‏

وهذه الأحكام التي اختص الله سبحانه بها كل واحد من الرجال والنساء تفيد أمورًا، منها الثلاثة الآتية ‏:‏


الحسية والمعنوية والشرعية، وليرذ كل بما كتب الله له قدرًا وشرعًا، وأن هذه الفوارق هي عين العدل، وفيها انتظام حياة المجتمع الإنساني‏


من الفوارق المذكورة، لما في ذلك من السخط على قدر الله، وعدم الرضا بحكمه وشرعه، وليسأل العبد ربَّه من فضله، وهذا أدب شرعي يزيل الحسد، ويهذب النفس المؤمنة، ويروضها على الرضا بما قدَّر الله وقضى ‏.‏

ولهذا قال الله تعالى ناهيًا عن ذلك‏:‏ ‏{‏ولا تتمنوا مَا فضَّل الله به بعضكم على بعض للرجالِ نصيبٌ مِمَّا اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إنَّ اللهَ كانَ بكلِّ شيءٍ عليمًا‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 32‏]‏‏.‏

وسبب نزولها ما رواه مجاهد قال‏:‏ قالت أم سلمة‏:‏ أيْ رسول الله‏!‏ أيغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث‏؟‏ فنزلت ‏:‏ ‏{‏ولا تتمنوا ما فضل الله ‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 32‏]‏‏.‏ رواه الطبري، والإمام أحمد، والحاكم وغيرهم ‏.‏

قال أبو جعفر الطبري رحمه الله تعالى‏:‏ ‏(‏يعني بذلك جل ثناؤه‏:‏ ولا تتشهوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، وذُكر أن ذلك نزل في نساء تمنين منازل الرجال، وأن يكون لهن ما لهم، فنهى الله عباده عن الأماني الباطلة، وأمرهم أن يسألوه من فضله، إذ كانت الأماني تورث أهلها الحسد والبغي بغير الحق‏)‏ انتهى‏.‏

الأمر الثالث‏:‏ إذا كان هذا النهي ـ بنص القرآن ـ عن مجرد التمني، فكيف بمن ينكر الفوارق الشرعية بين الرجل والمرأة، وينادي بإلغائها، ويطالب بالمساواة، ويدعو إليها باسم المساواة بين الرجل والمرأة‏؟‏‏.‏

فهذه بلا شك نظرية إلحادية؛ لما فيها من منازعة لإرادة الله الكونية القدرية في الفوارق الـخَلقية والمعنوية بينهما، ومنابذة للإسلام في نصوصه الشرعية القاطعة بالفرق بين الذكر والأنثى في أحكام كثيرة، كما تقدم بعضها‏.‏

ولو حصلت المساواة في جميع الأحكام مع الاختلاف في الخِلقة والكفاية؛ لكان هذا انعكاسًا في الفطرة، ولكان هذا هو عين الظلم للفاضل والمفضول، بل ظلم لحياة المجتمع الإنساني، لما يلحقه من حرمان ثمرة قُدراتِ الفاضل، والإثقال على المفضول فوق قدرته، وحاشا أن يقع مثقال خردلة من ذلك في شريعة أحكم الحاكمين، ولهذا كانت المرأة في ظل هذه الأحكام الغراء مكفولة في أمومتها، وتدبير منزلها، وتربية الأجيال المقبلة للأمة‏.‏

ورحم الله العلامة محمود بن محمد شاكر إذ قال معلقًا على كلام الطبري المتقدم ‏[‏8/260‏]‏ ‏:‏ ‏(‏ ولكن هذا باب من القول والتشهي، قد لَجَّ فيه أهل هذا الزمان، وخلطوا في فهمه خلطًا لا خلاص منه إلا بصدق النية، وبالفهم الصحيح لطبيعة هذا البشر، وبالفصل بين ما هو أمانٍ باطلة لا أصل لها من ضرورة، وبالخروج من ربقة التقليد للأمم الغالبة، وبالتحرر من أسر الاجتماع الفاسد الذي يضطرب بالأمم اليوم اضطرابًا شديدًا، ولكن أهل ملتنا هداهم الله وأصلح شؤونهم قد انساقوا في طريق الضلالة، وخلطوا بين ما هو إصلاح لما فسد من أمورهم بالهمة والعقل والحكمة، وبين ما هو إفساد في صورة إصلاح، وقد غلا القوم وكثرت داعيتهم من ذوي الأحقاد، الذين قاموا على صحافة زمانهم، حتى تبلبلت الألسنة، ومرجت العقول، وانزلق كثير من الناس مع هؤلاء الدعاة، حتى صرنا نجد من أهل العلم ممن ينتسب إلى الدين من يقول في ذلك مقالة يبرأ منها كل ذي دين، وَفرْقٌ بين أن تحيا أمة رجالًا ونساءً حياة صحيحة سليمة من الآفات والعاهات والجهالات، وبين أن تُسقِطَ الأمةُ كلُ كلَّ حاجز بين الرجال والنساء، ويصبح الأمر كله أمر أمانٍ باطلة، تورث أهلها الحسد والبغي بغير الحق، كما قال أبو جعفر، لله دره ولله بلاؤه، فاللهم اهدنا سواء السبيل، في زمان خانت الألسنة فيه عقولها، وليحذر الذين يخالفون عن أمر الله، وعن قضائه فيهم، أن تصيبهم قارعة تذهب بما بقي من آثارهم في هذه الأرض، كما ذهبت بالذين من قبلهم‏)‏ انتهى‏.‏

فثبت بهذا الأصل الفوارق الحسية، والمعنوية، والشرعية، بين الرجل والمرأة‏.‏

وتأسيسًا على هذا الأصل تأتي الأصول التالية، فهي الفوارق بينهما في الزينة والحجاب‏.‏


الحجاب بمعناه العام‏:‏ المنع والستر، فرض على كل مسلم من رجل أو امرأة، الرجل مع الرجل، والمرأة مع المرأة، وأحدهما مع الآخر، كلٌّ بما يناسب فطرته، وجِبِلته، ووظائفه الحياتية التي شرعت له، فالفوارق الحجابية بين الجنسين حسب الفوارق الخَلقية، والقدرات، والوظائف المشروعة لكل منهما ‏.‏

فواجب على الرجال ستر عوراتهم من السرة إلى الركبة عن الرجال والنساء، إلا عن زوجاتهم أو ما ملكت يمين الرجل ‏.‏

ونهى الشرع عن نوم الصبيان في المضاجع مجتمعين، وأمر بالتفريق بينهم، مخافة اللمس والنظر، المؤدي إلى إثارة الشهوة ‏.‏

وفي الصلاة نهى الرجل أن يصلي وليس على عاتقه شيء ‏.‏

ولا يطوف بالبيت عريان من رجل أو امرأة ‏.‏

ولا يصلي أحدهما وهو عريان، ولو كان وحده بالليل في مكان لا يراه أحد‏.‏

ونهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن المشي عُراة فقال ‏:‏ ‏(‏لا تمشوا عراة‏)‏‏.‏

ونهى النبي إذا كان أحدنا خاليًا أن يتعرى، قال‏:‏ ‏(‏فالله أحق أن يستحيا منه من الناس‏)‏‏.‏

وفي الإحرام‏:‏ معلومة الفوارق بين الجنسين‏.‏

ونهى الرجال عن الزينة المخلة بالرجولة من التشبه بالنساء في لباس أو حلية أو كلام، أو نحو ذلك‏.‏

ونهى الرجال عن الإسبال تحت الكعبين، والمرأة مأمورة بإرخاء ثوبها قدر ذراع لستر قدميها‏.‏

وأمر المؤمنين بِغضِّ أبصارهم عن العورات، وعن كل ما يثير الشهوة، وهذا أدب شرعي عظيم في مباعدة النفس عن التطلع إلى ما عسى أن يوقعها في الحرام‏.‏

والنهي عن الخلوة من الرجال بالمردان، والنظر إليهم بشهوة، أو مع خوف ثورانها‏.‏

وهكذا ‏.‏‏.‏ من وسائل التزكية والتطهير من الذنوب والأرجاس، لما يورثه ذلك من حلاوة الإيمان ونور القلب، وقوته، وحفظ الفروج، والعزوف عن الفواحش والخنا، وخوارم المروءة، وحفظ الحياء، وقد ثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال ‏:‏ ‏(‏الحياء لا يأتي إلا بخير ‏)‏‏.‏


يجب شرعًا على جميع نساء المؤمنين التزام الحجاب الشرعي، الساتر لجميع البدن، بما في ذلك الوجه والكفان، والساتر لجميع الزينة المكتسبة من ثياب وحلي وغيرها من كل رجل أجنبي، وذلك بالأدلة المتعددة من القرآن والسنة، والإجماع العملي من نساء المؤمنين من عصر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرورًا بعصر الخلافة الراشدة، فتمام القرون المفضلة، مستمرًا العمل إلى انحلال الدولة الإسلامية إلى دويلات في منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وبدلالة صحيح الأثر، والقياس المطرد، وبصحيح الاعتبار بجلب المصالح ودرء المفاسد‏.‏

وهذا الحجاب المفروض على المرأة إن كانت في البيوت فمن وراء الـجُدر والخدور، وإن كانت في مواجهة رجل أجنبي عنها داخل البيت أو خارجه فالحجاب باللباس الشرعي‏:‏ العباءة والخمار الساتر لجميع بدنها وزينتها المكتسبة، كما دلَّت النصوص على أنَّ هذا الحجاب لا يكون حجابًا شرعيًا إلا إذا توافرت شروطه، وأن لهذا الحجاب من الفضائل الجمة، الخير الكثيرة والفضل الوفير، ولذا أحاطته الشريعة بأسباب تمنع الوصول إلى هتكه أو التساهل فيه‏.‏

فآل الكلام في هذا الأصل إلى أربع مسائل‏:‏


الحجاب‏:‏ مصدر يدور معناه لغة على‏:‏ السَّتر والحيلولة والمنع ‏.‏

وحجاب المرأة شرعًا‏:‏ هو ستر المرأة جميع بدنها وزينتها، بما يمنع الأجانب عنها من رؤية شيء من بدنها أو زينتها التي تتزين بها، ويكون استتارها باللباس وبالبيوت‏.‏

أما ستر البدن‏:‏ فيشمل جَميعه، ومنه الوجه والكفان، كما سيأتي التدليل عليه في المسألة الثالثة إن شاء الله تعالى‏.‏

وأما ستر زينتها ‏:‏ فهو ستر ما تتزين به المرأة، خارجًا عن أصل خلقتها، وهذا معنى الزينة في قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يبدين زينتهن‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏، ويسمى‏:‏ الزينة المكتسبة، والمستثنى في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا ما ظهر منها‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏، هو الزينة المكتسبة الظاهرة، التي لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدنها، كظاهر الجلباب ـ العباءة ـ ويقال‏:‏ الملاءة، فإنه يظهر اضطرارًا، وكما لو أزاحت الريح العباءة عما تحتها من اللباس، وهذا معنى الاستثناء في قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا ما ظهر منها‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏‏.‏ أي‏:‏ اضطرارًا لا اختيارًا، على حدِّ قل الله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يكلف الله نفسًا إلا وسعهًا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 286‏]‏‏.‏

وإنما قلنا‏:‏ التي لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدنها، احترازًا من الزينة التي تتزين بها المرأة، ويلزم منها رؤية شيء من بدنها، مثل‏:‏ الكحل في العين، فإنه يتضمن رؤية الوجه أو بعضه، وكالخضاب والخاتم، فإن رؤيتهما تستلزم رؤية اليد، وكالقُرط والقِلادة والسُّوار، فإن رؤيتها تستلزم رؤية محله من البدن، كما لا يخفى‏.‏

ويدل على أن معنى الزينة في الآية‏:‏ الزينة المكتسبة لا بعض أجزاء البدن أمران‏:‏

الأول‏:‏ أن هذا هو معنى الزينة في لسان العرب‏.‏

الثاني‏:‏ أن لفظ الزينة في القرآن الكريم، يراد به الزينة الخارجة، أي المكتسبة، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الأصل، فيكون معنى الزينة في آية سورة النور هذه على الجادة، إضافة إلى تفسير الزينة بالمكتسبة لا يلزم منها رؤية شيء من البدن المزين بها، أنه هو الذي به يتحقق مقصد الشرع من فرض الحجاب من الستر والعفاف والحياء وغض البصر، وحفظ الفرج، وطهارة قلوب الرجال والنساء، ويقطع الأطماع في المرأة، وهو أبعد عن الرِّيبة وأسباب الفساد والفتنة‏.‏


عرفنا أن الحجاب لفظ عام بمعنى‏:‏ السَّتر، ويراد به هنا ما يستر بدن المرأة وزينتها المكتسبة من ثوب وحلي ونحوهما عن الرجال الأجانب، وهو بالاستقراء لدلالات النصوص يتكون من أحد أمرين‏:‏


لأنها تحجبهن عن أنظار الرجال الأجانب والاختلاط بهم‏


وهو يتكون من‏:‏ الجلباب والخمار، ويقال‏:‏ العباءة والمسفع، فيكون تعريف الحجاب باللباس هو‏:‏

ستر المرأة جميع بدنها، ومنه الوجه والكفان والقدمان، وستر زينتها المكتسبة بما يمنع الأجانب عنها رؤية شيء من ذلك، ويكون هذا الحجاب بـ الجلباب والخمار، وهما‏:‏

1ـ الخمار ‏:‏ مفرد جمعه‏:‏ خُمُر، ويدور معناه على‏:‏ السَّتر والتغطية، وهو‏:‏

2ـ ما تغطي به المرأة رأسها ووجها وعنقها وجيبها‏.‏

فكل شيءٍ غطَّـيْتَه وستَـرْتـَهُ فقد خَـمَّرته‏.‏

ومنه الحديث المشهور‏:‏ ‏(‏خـمِّروا آنيتكم‏)‏ أي‏:‏ غطُّوا فُوَّهتها ووجهها‏.‏

ومنه قول النميري ‏:‏

يُخَمِّرنَ أطرافَ الـبَنَان من التُّقى ** ويَخْرجُنَ جنح اللَّيل معتجرات

ويسمى عند العرب أيضًا‏:‏ المقنع، جمعه‏:‏ مقانع، من التقنع وهو السَّتر، ومنه في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند‏:‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا صلَّى ركعتين رفع يديه يدعو يُقَنِّع بهما وجهه ‏.‏

ويسمى أيضًا‏:‏ النصيف، قال النابغة يصف امرأة ‏:‏

سَقَطَ النصيف ولم تُرِدْ إسقاطه ** فـتناولته واتـقـتنا باليدِ

ويسمى‏:‏ الغدفة، ومادته‏:‏ غَدَفَ، أصل صحيح يدل على سَتْرٍ وتغطية، يقال‏:‏ أغدفت المرأة قناعها، أي‏:‏ أرسلته على وجهها‏.‏

قال عنترة ‏:‏

إِن تُغدِفِـي دُونـِي القـناع فإنني ** طَبٌّ بأخـذ الفارس المـستلئم

ويقال‏:‏ المسفع، وأصله في فصيح اللسان العربي‏:‏ أي ثوب كان‏.‏

ويسمَّى عند العامة‏:‏ الشيلة ‏.‏

وصفة لبسه‏:‏ أن تضع المرأة الخمار على رأسها، ثم تلويه على عنقها على صفة التحنك والإدارة على الوجه، ، ثم تلقي بما فضل منه على وجهها ونحرها وصرها، وبهذا تتم تغطية ما جرت العادة بكشفه في منزلها‏.‏

ويشترط لهذا الخمار‏:‏ أن لا يكون رقيقًا يشف عما تحته من شعرها، ووجهها وعنقها ونحرها وصدرها وموضع قرطها، عن أم علقمة قالت‏:‏ رأيت حفصة بنت عبدالرحمن بن أبي بكر، دخلت على عائشة ـ رضي الله عنها ـ وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها، وقالت‏:‏ أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور‏؟‏ ثم دعت بخمار فكستها‏.‏ رواه ابن سعد والإمام مالك في الموطأ وغيرهما‏.‏

1ـ الجلباب‏:‏ جمعه جلابيب، وهو‏:‏ ‏(‏كساء كثيف تشتمل به المرأة من رأسها إلى قدميها، ساتر لجميع بدنها وما عليه من ثياب وزينة‏)‏ ‏.‏

ويقال له ‏:‏ الـمُلاءة، والـمِلْحَفة، والرداء، والدثار، والكساء‏.‏

وهو المسمى‏:‏ العباءة، التي تلبسها نساء الجزيرة العربية ‏.‏

وصفة لبسها‏:‏ أن تضعها فوق رأسها ضاربة بها على خمارها وعلى جميع بدنها وزينتها، حتى تستر قدميها‏.‏

وبهذا يعلم أنه يشترط في أداء هذه العبادة لوظيفتها ـ وهي ستر تفاصيل بدن المرأة وما عليها من ثياب وحلي‏:‏ـ

1ـ أن تكون كثيفة، لا شفافة رقيقة‏.‏

2ـ وأن يكون لبسها من أعلى الرأس لا على الكتفين؛ لأن لبسها على الكتفين يخالف مُسَمَّى الجلباب الذي افترضه الله على نساء المؤمنين، ولما فيه من بيان تفاصيل بعض البدن، ولما فيه من التشبه بلبسة الرجال، واشتمالهم بأرديتهم وعباءاتهم‏.‏

1ـ وأن لا تكون هذه العباءة زينة في نفسها، ولا بإضافة زينة ظاهرة إليها، مثل التطريز ‏.‏

2ـ وأن تكون العباءة ـ الجلباب ـ ساترة من أعلى الرأس إلى ستر القدمين، وبه يعلم أن لبس ما يسمى‏:‏ نصف فَـجَّة وهو ما يستر منها إلى الركب لا يكون حجابًا شرعيًا ‏.‏

تــنــبــيـه ‏:‏ من المستجدات كتابة اسم صاحبة العباءة عليها، أو الحروف الأولى من اسمها باللغة العربية أو غيرها، بحيث يقرؤها من يراها، وهذا عبث جديد بالمرأة، وفتنة عظيمة تجر البلاء إليها، فيحرم عمله والاتِّجار به‏.‏


وهو يتكون من‏:‏ الجلباب والخمار، ويقال‏:‏ العباءة والمسفع، فيكون تعريف الحجاب باللباس هو‏:‏

ستر المرأة جميع بدنها، ومنه الوجه والكفان والقدمان، وستر زينتها المكتسبة بما يمنع الأجانب عنها رؤية شيء من ذلك، ويكون هذا الحجاب بـ الجلباب والخمار، وهما‏:‏

1ـ الخمار ‏:‏ مفرد جمعه‏:‏ خُمُر، ويدور معناه على‏:‏ السَّتر والتغطية، وهو‏:‏

2ـ ما تغطي به المرأة رأسها ووجها وعنقها وجيبها‏.‏

فكل شيءٍ غطَّـيْتَه وستَـرْتـَهُ فقد خَـمَّرته‏.‏

ومنه الحديث المشهور‏:‏ ‏(‏خـمِّروا آنيتكم‏)‏ أي‏:‏ غطُّوا فُوَّهتها ووجهها‏.‏

ومنه قول النميري ‏:‏

يُخَمِّرنَ أطرافَ الـبَنَان من التُّقى ** ويَخْرجُنَ جنح اللَّيل معتجرات

ويسمى عند العرب أيضًا‏:‏ المقنع، جمعه‏:‏ مقانع، من التقنع وهو السَّتر، ومنه في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في المسند‏:‏ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان إذا صلَّى ركعتين رفع يديه يدعو يُقَنِّع بهما وجهه ‏.‏

ويسمى أيضًا‏:‏ النصيف، قال النابغة يصف امرأة ‏:‏

سَقَطَ النصيف ولم تُرِدْ إسقاطه ** فـتناولته واتـقـتنا باليدِ

ويسمى‏:‏ الغدفة، ومادته‏:‏ غَدَفَ، أصل صحيح يدل على سَتْرٍ وتغطية، يقال‏:‏ أغدفت المرأة قناعها، أي‏:‏ أرسلته على وجهها‏.‏

قال عنترة ‏:‏

إِن تُغدِفِـي دُونـِي القـناع فإنني ** طَبٌّ بأخـذ الفارس المـستلئم

ويقال‏:‏ المسفع، وأصله في فصيح اللسان العربي‏:‏ أي ثوب كان‏.‏

ويسمَّى عند العامة‏:‏ الشيلة ‏.‏

وصفة لبسه‏:‏ أن تضع المرأة الخمار على رأسها، ثم تلويه على عنقها على صفة التحنك والإدارة على الوجه، ، ثم تلقي بما فضل منه على وجهها ونحرها وصرها، وبهذا تتم تغطية ما جرت العادة بكشفه في منزلها‏.‏

ويشترط لهذا الخمار‏:‏ أن لا يكون رقيقًا يشف عما تحته من شعرها، ووجهها وعنقها ونحرها وصدرها وموضع قرطها، عن أم علقمة قالت‏:‏ رأيت حفصة بنت عبدالرحمن بن أبي بكر، دخلت على عائشة ـ رضي الله عنها ـ وعليها خمار رقيق يشف عن جبينها، فشقته عائشة عليها، وقالت‏:‏ أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور‏؟‏ ثم دعت بخمار فكستها‏.‏ رواه ابن سعد والإمام مالك في الموطأ وغيرهما‏.‏

1ـ الجلباب‏:‏ جمعه جلابيب، وهو‏:‏ ‏(‏كساء كثيف تشتمل به المرأة من رأسها إلى قدميها، ساتر لجميع بدنها وما عليه من ثياب وزينة‏)‏ ‏.‏

ويقال له ‏:‏ الـمُلاءة، والـمِلْحَفة، والرداء، والدثار، والكساء‏.‏

وهو المسمى‏:‏ العباءة، التي تلبسها نساء الجزيرة العربية ‏.‏

وصفة لبسها‏:‏ أن تضعها فوق رأسها ضاربة بها على خمارها وعلى جميع بدنها وزينتها، حتى تستر قدميها‏.‏

وبهذا يعلم أنه يشترط في أداء هذه العبادة لوظيفتها ـ وهي ستر تفاصيل بدن المرأة وما عليها من ثياب وحلي‏:‏ـ

1ـ أن تكون كثيفة، لا شفافة رقيقة‏.‏

2ـ وأن يكون لبسها من أعلى الرأس لا على الكتفين؛ لأن لبسها على الكتفين يخالف مُسَمَّى الجلباب الذي افترضه الله على نساء المؤمنين، ولما فيه من بيان تفاصيل بعض البدن، ولما فيه من التشبه بلبسة الرجال، واشتمالهم بأرديتهم وعباءاتهم‏.‏

1ـ وأن لا تكون هذه العباءة زينة في نفسها، ولا بإضافة زينة ظاهرة إليها، مثل التطريز ‏.‏

2ـ وأن تكون العباءة ـ الجلباب ـ ساترة من أعلى الرأس إلى ستر القدمين، وبه يعلم أن لبس ما يسمى‏:‏ نصف فَـجَّة وهو ما يستر منها إلى الركب لا يكون حجابًا شرعيًا ‏.‏

تــنــبــيـه ‏:‏ من المستجدات كتابة اسم صاحبة العباءة عليها، أو الحروف الأولى من اسمها باللغة العربية أو غيرها، بحيث يقرؤها من يراها، وهذا عبث جديد بالمرأة، وفتنة عظيمة تجر البلاء إليها، فيحرم عمله والاتِّجار به‏.‏

معلوم أن العمل المتوارث المستمر من عصر الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم حجة شرعية يجب اتباعها، وتلقيها بالقبول، وقد جرى الإجماع العملي بالعمل المستمر المتوارث بين نساء المؤمنين على لزومهن البيوت، فلا يخرجن إلا لضرورة أو حاجة، وعلى عدم خروجهن أمام الرجال إلا متحجبات غير سافرات الوجوه ولا حاسرات عن شيء من الأبدان، ولا متبرجات بزينة، واتفق المسلمون على هذا العمل، المتلاقي مع مقاصدهم في بناء صرح العفة والطهارة والاحتشام والحياء والغيرة، فمنعوا النساء من الخروج سافرات الوجوه، حاسرات عن شيء من أبدانهن أو زينتهن‏.‏

فهذان إجماعان متوارثان معلومان من صدر الإسلام، وعصور الصحابة والتابعين لهم بإحسان، حكى ذلك جمع من الأئمة، منهم الحافظ ابن عبد البر، والإمام النووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وغيرهم رحمهم الله تعالى، واستمر العمل به إلى نحو منتصف القرن الرابع عشر الهجري، وقت انحلال الدولة الإسلامية إلى دول‏.‏

وكانت بداية السفور بخلع الخمار عن الوجه في مصر، ثم تركيا، ثم الشام، ثم العراق، وانتشر في المغرب الإسلامي، وفي بلاد العجم، ثم تطور إلى السفور الذي يعني الخلاعة والتجرد من الثياب الساترة لجميع البدن، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

وإن له في جزيرة العرب بدايات، نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين، وأن يكف البأس عنهم‏.‏

والآن إلى إقامة الأدلة ‏

:‏


تنوعت الدلائل من آيات القرآن الكريم في سورتي النور والأحزاب على فرضية الحجاب فرضًا مؤبدًا عامًا لجميع نساء المؤمنين، وهي على الآتي‏:‏

الدليل الأول‏:‏ قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وَقَـرنَ فِي بُيُوتِكُنَّ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 33‏]‏ ‏.‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرضٌ وقلن قولًا معروفًا ‏.‏ وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى وأقمن الصلاة وءاتين الزكاة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 32ـ33‏]‏ ‏.‏

هذا خطاب من الله تعالى لنساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونساء المؤمنين تبع لهن في ذلك، وإنما خصَّ الله سبحانه نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالخطاب‏:‏ لشرفهن، ومنزلتهن من رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولأنهن القدوة لنساء المؤمنين، ولقرابتهن من النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 6‏]‏ ، مع أنه لا يتوقع منهن الفاحشة ـ وحاشاهن ـ وهذا شأن كل خطاب في القرآن والسنة، فإنه يراد به العموم، لعموم التشريع، ولأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ما لم يرد دليل يدل على الخصوصية، ولا دليل هنا، كالشأن في قول الله تعالى لرسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏{‏لئن أشركت ليحبطن عملك‏}‏ ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏[‏الزمر‏:‏ 65‏]‏ ‏.‏

ولهذا فأحكام هاتين الآيتين وما ماثلهما هي عامة لنساء المؤمنين من باب الأولى، مثل‏:‏ تحريم التأفيف في قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تقل لهما أفٍّ‏}‏ ‏[‏الإسراء‏:‏ 23‏]‏ فالضرب محرم من باب الأولى، بل في آيتي الأحزاب لِحاقٌ يدل على عموم الحكم لهن ولغيرهن، وهو قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وأقمن الصلاة وآتين الزكاة وأطعن الله ورسوله‏}‏ وهذه فرائض عامة معلومة من الدين بالضرورة ‏.‏

إذا علم ذلك ففي هاتين الكريمتين عدد من الدلالات على فرض الحجاب وتغطية الوجه على عموم نساء المؤمنين من وجوه ثلاثة ‏:‏


نهى الله سبحانه وتعالى أمهات المؤمنين، ونساء المؤمنين تبع لهن في ذلك عن الخضوع بالقول، وهو تليين الكلام وترقيقه بانكسار مع الرجال، وهذا النهي وقاية من طمع مَن في قلبه مرض شهوة الزنى، وتحريك قلبه لتعاطي أسبابه، وإنما تتكلم المرأة بقدر الحاجة في الخطاب من غير استطراد ولا إطناب ولا تليين خاضع في الأداء‏.‏

وهذا الوجه الناهي عن الخضوع في القول غاية في الدلالة على فرضية الحجاب على نساء المؤمنين من باب أولى، وإنَّ عدَم الخضوع بالقول من أسباب حفظ الفرج، وعدم الخضوع بالقول لا يتم إلا بداعي الحياء والعفة والاحتشام، وهذه المعاني كامنة في الحجاب، ولهذا جاء الأمر بالحجاب في البيوت صريحًا في الوجه بعده‏.‏


وهذه في حجب أبدان النساء في البيوت عن الرجال الأجانب ‏.‏

هذا أمر من الله سبحانه لأمهات المؤمنين، ونساء المؤمنين تبع لهن في هذا التشريع، بلزوم البيوت والسكون والاطمئنان والقرار فيها؛ لأنه مقر وظيفتها الحياتية، والانكفاف عن الخروج منها إلا لضرورة أو حاجة ‏.‏

وعن عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ قال‏:‏ قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ‏:‏ ‏(‏المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون من رحمة الله وهي في قعر بيتها‏)‏ رواه الترمذي وابن حبان ‏.‏

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ‏[‏الفتاوى‏:‏ 15/ 297‏]‏‏:‏ ‏(‏لأن المرأة يجب أن تصان وتحفظ بما لا يجب مثله في الرجل، ولهذا خُصَّت بالاحتجاب وترك إبداء الزينة، وترك التبرج، فيجب في حقها الاستتار باللباس والبيوت ما لا يجب في حق الرجل، لأن ظهورها للرجال سبب الفتنة، والرجال قوامون عليهن‏)‏ انتهى‏.‏

وقال رحمه الله تعالى في ‏[‏الفتاوى‏:‏ 15/ 379‏]‏ ‏:‏ ‏(‏وكما يتناول غض البصر عن عورة الغير وما أشبهها من النظر إلى المحرمات، فإنه يتناول الغض عن بيوت الناس، فبيت الرجل يستر بدنه كما تستره ثيابه، وقد ذكر سبحانه غض البصر وحفظ الفرج بعد آية الاستئذان، وذلك أن البيوت سترة كالثياب التي على البدن، كما جمع بين اللباسين في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله جعل لكم مما خلقَ ظلاَلًا وجعل لكم من الجبال أكنانًا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحرَّ وسرابيل تقيكم بأسكم‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 81‏]‏ ، فكل منها وقاية من الأذى الذي يكون سمومًا مؤذيًا كالحر والشمس والبرد، وما يكون من بني آدم من النظر بالعين واليد وغير ذلك انتهى ‏.‏


لما أمرهن الله سبحانه بالقرار في البيوت نهاهن ـ تعالى ـ عن تبرج الجاهلية بكثرة الخروج، وبالخروج متجملات متطيبات سافرات الوجوه، حاسرات عن المحاسن والزينة التي أمر الله بسترها، والتبرج مأخوذ من البرج، ومنه التَّوسُّع بإظهار الزينة والمحاسن كالرأس والوجه والعنق والصدر، والذراع والساق ونحو ذلك من الخلقة أو الزينة المكتسبة؛ لما في كثرة الخروج أو الخروج بالأولى وصف كاشف، مثل لفظ‏:‏ ‏{‏كاملة‏}‏ في قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏تلك عشرة كاملة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 196‏]‏ ‏.‏

ومثل لفظ‏:‏ ‏{‏الأولى‏}‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأنه أهْلَكَ عادًا الأولى‏}‏ ‏[‏النجم‏:‏50‏]‏‏.‏

والتبرج يكون بأمور يأتي بيانها في ‏(‏الأصل السادس‏)‏ إن شاء الله تعالى‏.‏


 

 

 

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إنـَاه ولكن إذا دُعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا إن ذلكم كان عند الله عظيمًا ‏.‏ إن تبدوا شيئًا أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليمًا ‏.‏ لا جُناح عليهن في آبائهنَّ ولا أبنائهنَّ ولا إخوانهنَّ ولا أبناء إخوانهنَّ ولا أبناء أخواتهنَّ ولا نسائهنَّ ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شيءٍ شهيدًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 53ـ55‏]‏ ‏.‏

الآية الأولى عُرفت باسم‏:‏ آية الحجاب؛ لأنها أول آية نزلت بشأن فرض الحجاب على أمهات المؤمنين ونساء المؤمنين، وكان نزولها في شهر ذي القعدة سنة خس من الهجرة ‏.‏

وسبب نزولها ما ثبت من حديث أنس ـ رضي الله عنه ـ قال‏:‏ قال عمر ـ رضي الله عنه ـ قلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب، فأنزل الله آية الحجاب‏.‏ رواه أحمد والبخاري في الصحيح ‏.‏

وهذه إحدى موافقات الوحي لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ وهي من مناقبه العظيمة‏.‏

ولما نزلت حجب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنه نساءه عن الرجال الأجانب عنهن، وحجب المسلمون نساءهم عن الرجال الأجانب عنهن، بستر أبدانهن من الرأس إلى القدمين، وستر ما عليها من الزينة المكتسبة، فالحجاب فرض عام على كل مؤمنة مؤبد إلى يوم القيامة، وقد تنوعت دلالة هذه الآيات على هذا الحكم من الوجوه الآتـيـة‏:‏


وحجب الصحابة نساءهم، بستر وجوههن وسائر البدن والزينة المكتسبة، واستمر ذلك في عمل نساء المؤمنين، هذا إجماع عملي دال على عموم حكم الآية لجميع نساء المؤمنين، ولهذا قال ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية ‏[‏22/ 39‏]‏‏:‏ ‏{‏وإذا سألتموهن متاعًا فاسألوهن من وراء حجاب‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 53‏]‏‏.‏ يقول‏:‏ وإذا سألتم أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونساء المؤمنين اللواتي لسن لكم بأزواج متاعًا، فاسألوهن من وراء حجاب، يقول‏:‏ من وراء ستر بينكم وبينهن ‏.‏‏.‏ انتهى ‏.‏

الوجه الثاني‏:‏ في قول الله تعالى في آية الحجاب هذه‏:‏ ‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 53‏]‏‏.‏ علة لفرض الحجاب في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فاسألوهن من وراء حجاب‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 53‏]‏‏.‏ بمسلك الإيماء والتنبيه، وحكم العلة عام لمعلولها هنا؛ لأن طهارة قلوب الرجال والنساء وسلامتها من الريبة مطلوبة من جميع المسلمين، فصار فرض الحجاب على نساء المؤمنين من باب الأولى من فرضه على أمهات المؤمنين، وهن الطاهرات المبرآت من كل عيب ونقيصة رضي الله عنهن‏.‏

فاتضح أن فرض الحجاب حكم عام على جميع النساء لا خاصًا بأزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن عموم علة الحكم دليل على عموم الحكم فيه، وهل يقول مسلم‏:‏ إن هذه العلة‏:‏ ‏{‏ذلك أطهر لقلوبكم وقلوبهن‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 53‏]‏‏.‏ غير مرادة من أحد من المؤمنين‏؟‏ فيالها من علة جامعة لم تغادر صغيرة ولا كبيرة من مقاصد فرض الحجاب إلا شملتها‏.‏

الوجه الثالث‏:‏ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إلا إذا قام دليل على التخصيص، وكثير من آيات القرآن ذوات أسباب في نزولها، وقَصْرُ أحكامها في دائرة أسبابها بلا دليل تعطيل للتشريع، فما هو حظ المؤمنين منها‏؟‏

وهذا ظاهر بحمد الله، ويزيده بيانًا‏:‏ أن قاعدة توجيه الخطاب في الشريعة، هي أن خطاب الواحد يعم حكمه جميع الأمة؛ للاستواء في أحكام التكليف، ما لم يرد دليل يجب الرجوع إليه دالًا على التخصيص، ولا مخصص هنا، وقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مبايعة النساء‏:‏ ‏(‏إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة‏)‏‏.‏

الوجه الرابع‏:‏ زوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أمهات لجميع المؤمنين، كما قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وأزواجه أمهاتهم‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 6‏]‏، ونكاحهن محرم على التأبيد كنكاح الأمهات‏:‏

‏{‏ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏53‏]‏، وإذا كانت زوجات النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كذلك، فلا معنى لقصر الحجاب عليهن دون بقية نساء المؤمنين، ولهذا كان حكم فرض الحجاب عامًا لكل مؤمنة، مؤبدًا إلى يوم القيامة، وهو الذي فهمه الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ كما تقدم من حجبهم نساءهم ـ رضي الله عنهن ـ


 

على نساء المؤمنين‏:‏ أن الله سبحانه استفتح الآية بقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم ‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 53‏]‏‏.‏ وهذا الاستئذان أدب عام لجميع بيوت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون بقية بيوت المؤمنين، ولهذا قال ابن كثير ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسيره ‏[‏3/505‏]‏‏:‏

حُظر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بغير إذن كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة، ولهذا قال رسول الله‏:‏ ‏(‏إياكم والدخول على النساء‏)‏ الحديث ‏.‏‏.‏ انتهى ‏.‏

ومَن قال بتخصيص فرض الحجاب على أزواج النبي ـ صلى اللله عليه وسلم ـ لزمه أن يقول بقصر حكم الاستئذان كذلك، ولا قائل به‏.‏


‏{‏لا جناح عليهن في آبائهن‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 55‏]‏‏.‏ فإن نفي الجناح استثناء من الأصل العام، وهو فرض الحجاب، ودعوى تخصيص الأصل يستلزم تخصيص الفرع، وهو غير مُسَلَّم إجماعًا، لما علم من عموم نفي الجناح بخروج المرأة أمام محارمها كالأب غير محجبة الوجه والكفين، أما غير المحارم فواجب على المرأة الاحتجاب عنهم ‏.‏

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية ‏[‏3/506‏]‏ ‏:‏ ‏(‏لما أمر الله النساء بالحجاب عن الأجانب بيَّن أن هؤلاء الأقارب لا يجب الاحتجاب عنهم، كما استثناهم في سورة النور عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن‏.‏‏.‏‏}‏ الآية ‏[‏النور‏:‏31‏]‏ انتهى ‏.‏

وتأتي الآية بتمامها في الدليل الرابع، وقد سمّاها ابن العربي ـ رحمه الله تعالى ـ ‏:‏ آية الضمائر؛ لأنها أكثر آية في كتاب الله فيها ضمائر‏.‏

الوجه السابع‏:‏ ومما يفيد العموم ويبطل التخصيص ‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونساء المؤمنين‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 59‏]‏ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 59‏]‏‏.‏ وبهذا ظهر عموم فرض الحجاب على نساء المؤمنين على التأبيد‏.‏


على الوجوه‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورًا رحيمًا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 59‏]‏‏.‏ قال السيوطي رحمه الله تعالى‏:‏ ‏(‏‏(‏هذه آية الحجاب في حق سائر النساء، ففيها وجوب ستر الرأس والوجه عليهن ‏)‏‏)‏ انتهى ‏.‏

وقد خصَّ الله سبحانه في هذه الآية بالذكر أزواج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبناته؛ لشرفهن ولأنهن آكد في حقه من غيرهن لقربهن منه، والله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارًا‏}‏ ‏[‏التحريم‏:‏ 6‏]‏ ، ثم عمم سبحانه الحكم على نساء المؤمنين، وهذه الآية صريحة كآية الحجاب الأولى، على أنه يجب على جميع نساء المؤمنين أن يغطين ويسترن وجوههن وجميع البدن والزينة المكتسبة، عن الرجال الأجانب عنهن، وذلك الستر بالتحجب بالجلباب الذي يغطي ويستر وجوههن وجميع أبدانهن وزينتهن، وفي هذا تمييز لهن عن اللائي يكشفن من نساء الجاهلية، حتى لا يتعرضن للأذى ولا يطمع فيهن طامع ‏.‏

والأدلة من هذه الآية على أن المراد بها ستر الوجه وتغطيته من وجوه، هي‏:‏


وهو‏:‏ اللباس الواسع الذي يغطي جميع البدن، وهو بمعنى‏:‏ الملاءة والعباءة، فتلبسه المرأة فوق ثيابها من أعلى رأسها مُدنية ومرخية له على وجهها وسائر جسدها، وما على جسدها من زينة مكتسبة، ممتدًا إلى ستر قدميها ‏.‏

فثبت بهذا حجب الوجه بالجلباب كسائر البدن لغةً وشرعًا ‏.‏


مراد؛ لأن الذي كان يبدو من بعض النساء في الجاهلية هو‏:‏ الوجه، فأمر الله نساء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمؤمنين بستره وتغطيته، بإدناء الجلباب عليه، لأن الإدناء عُدِّي بحرف على، وهو دال على تضمن معنى الإرخاء، والإرخاء لا يكون إلا من أعلى، فهو هنا من فوق الرءوس على الوجوه والأبدان‏


وما عليه من الثياب المكتسبة ـ الزينة المكتسبة ـ هو الذي فهمه نساء الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ وذلك فيما أخرجه عبد الرزاق في المصنف عن أم سلمة ـ رضي الله عنها ـ قالت‏:‏ لما نزلت هذه الآية ‏{‏يدنين عليهن من جلابيبهن‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 59‏]‏‏.‏ خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من السكينة، وعليهن أكسية سود يلبسنها‏.‏

وعن عائشة رضي الله عنها قالت ‏:‏ رحم الله تعالى نساء الأنصار، لما نزلت‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 59‏]‏‏.‏ الآية شَقَقن مُرُوطهن، فاعتجرن بها، فصَلَّين خلف رسول الله ‏(‏ كأنما على رءوسهن الغربان ‏.‏ رواه ابن مردويه ‏.‏

وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت‏:‏ يرحم الله نساء المهاجرات الأُوَل، لما أنزل الله ‏{‏وليضربن بخمرهن على جيوبهن‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏‏.‏ شققن مروطهن فاختمرن بها‏.‏ رواه البخاري في صحيحه ‏.‏

والاعتجار‏:‏ هو الاختمار، فمعنى‏:‏ فاعتجرن بها، واختمرن بها‏:‏ أي غطين وجوههن‏.‏

وعن أم عطية ـ رضي الله عنها ـ قالت‏:‏ ‏(‏أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نخرجهن في الفطر والأضحى، العواتق، والـحُيَّض، وذوات الخدور، أمَّـا الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين، قلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إحدانا لا يكون لها جلباب‏؟‏ قال‏:‏ لتلبسها أختها من جلبابها‏)‏ متفق على صحته ‏.‏

وهذا صريح في منع المرأة من بروزها أمام الأجانب بدون الجلباب، والله أعلم‏.‏


وعلى هذا العمل الذي بادر إليه نساء الأنصار والمهاجرين ـ رضي الله عن الجميع ـ بستر وجوههن بإدناء الجلابيب عليها، وهي أن في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لأزواجك‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 59‏]‏‏.‏ وجوب حجب أزواجه ‏(‏وستر وجوههن، لا نزاع فيه بين أحد من المسلمين، وفي هذه الآية ذكر أزواجه ـ رضي الله عنهن ـ مع بناته ونساء المؤمنين، وهو ظاهر الدلالة على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب على جميع المؤمنات‏.


‏ [‏الأحزاب‏:‏ 59‏]‏‏.‏ راجع إلى الإدناء، المفهوم من قوله‏:‏ ‏{‏يدنين‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 59‏]‏‏.‏ وهو حكم بالأولى على وجوب ستر الوجه؛ لأن ستره علامة على معرفة العفيفات فلا يؤذين، فهذه الآية نص على ستر الوجه وتغطيته، ولأن من تستر وجهها لا يطمع فيها طامع بالكشف عن باقي بدنها وعورتها المغلظة، فصار في كشف الحجاب عن الوجه تعريض لها بالأذى من السفهاء، فدل هذا على التعليل على فرض الحجاب على نساء المؤمنين لجميع البدن والزينة بالجلباب، وذلك حتى يعرفن بالعفة، وأنهن مستورات محجبات بعيدات عن أهل الرّي والخنا، وحتى لا يفتتن ولا يفتن غيرهن فلا يؤذين‏.‏

ومعلوم أن المرأة إذا كانت غاية في الستر والانضمام، لم يقدم عليها من في قلبه مرض، وكّـفَّت عنها الأعين الخائنة، بخلاف المتبرجة المنتشرة الباذلة لوجهها، فإنها مطموع فيها ‏.‏

واعلم أن الستر بالجلباب، وهو ستر النساء العفيفات، يقتضي ـ كما تقدم في صفة لبسه ـ أن يكون الجلباب على الرأس لا على الكتفين، ويقتضي أن لا يكون الجلباب ـ العباءة ـ زينة في نفسه، ولا مضافًا إليه ما يزينه من نقش أو تطريز، ولا ما يلفت النظر إليه، وإلا كان نقضًا لمقصود الشارع من إخفاء البدن والزينة وتغطيتها عن عيون الأجانب عنها‏.‏

ولا تغتر المسلمة بالمترجلات اللاتي يتلذذن بمعاكسة الرجال لهن، وجلب الأنظار إليهن، اللائي يُـعْلنَّ بفعلهن تعدادهن في المتبرجات السافرات، ويعدلن عن أن يكن مصابيح البيوت العفيفات التقيات النقيات الشريفات الطيبات، ثبّت الله نساء المؤمنين على العفة وأسبابها ‏.‏


 

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدن زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون‏}‏  ‏[‏النور‏:‏ 30ـ31‏]‏ ‏.‏

تعددت الدلالة في هاتين الآيتين الكريمتين على فرض الحجاب وتغطية الوجه من وجوه أربعة مترابطة، هي‏:‏


على حدٍّ سواء في الآية الأولى وصدر الآية الثانية، وما ذاك إلا لعظم فاحشة الزنى، وأن غض البصر وحفظ الفرج أزكى للمؤمنين في الدنيا والآخرة، وأبعد عن الوقوع في هذه الفاحشة، وإن حفظ الفرج لا يتم إلا ببذل أسباب السلامة والوقاية، ومن أعظمها غض البصر، وغض البصر لا يتم إلاّ بالحجاب التام لجميع البدن، ولا يرتاب عاقل أن كشف الوجه سبب للنظر إليه، والتلذذ به، والعينان تزنيان وزناهما النظر، والوسائل لها أحكام المقاصد، ولهذا جاء الأمر بالحجاب صريحًا في الوجه بعده‏


أي‏:‏ لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب عن عمد وقصد، إلا ما ظهر منها اضطرارًا لا اختيارًا، ما لا يمكن إخفاؤه كظاهر الجلباب ـ العباءة، ويقال‏:‏ الملاءة ـ الذي تلبسه المرأة فوق القميص والخمار، وهي ما لا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، فإن ذلك معفوٌّ عن ‏.‏

وتأمل سِرًا من أسرار التنزيل في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا يبدين زينتهن‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏‏.‏ كيف أسند الفعل إلى النساء في عدم إبداء الزينة متعديًا وهو فعل مضارع‏:‏ ‏{‏يُبدين‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31]‏‏.‏ ومعلوم أن النهي إذا وقع بصيغة المضارع يكون آكد في التحريم، وهذا دليل صريح على وجوب الحجاب لجميع البدن وما عليه من زينة مكتسبة، وستر الوجه والكفين من باب أولى ‏.‏

وفي الاستثناء ‏{‏إلا ما ظهر منها‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31]‏‏.‏ لم يسند الفعل إلى النساء، إذ لم يجئ متعديًا، بل جاء لازمًا، ومقتضى هذا‏:‏ أن المرأة مأمورة بإخفاء الزينة مطلقًا، غير مخيرة في إبداء شيء منها، وأنه لا يجوز لها أن تتعمد إبداء شيء منها إلا ما ظهر اضطرارًا بدون قصد، فلا إثم عليها، مثل‏:‏ انكشاف شيء من الزينة من أجل الرياح، أو لحاجة علاج لها ونحوه من أحوال الاضطرار، فيكون معنى هذا الاستثناء‏:‏ رفع الحرج، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 286‏]‏ ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقد فصَّل لكم ما حرَّم عليكم إلا ما اضطررتم إليه‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 119‏]‏ ‏


لما أوجب الله على نساء المؤمنين الحجاب للبدن والزينة في الموضعين السابقين، وأن لا تتعمد المرأة إبداء شيء من زينتها، وأن ما يظهر منها من غير قصد معفو عنه، ذكر سبحانه لكمال الاستتار، مبينًا أن الزينة التي يحرم إبداؤها، يدخل فيها جميع البدن، وبما أن القميص يكون مشقوق الجيب عادة بحيث يبدو شيء من العنق والنحر والصدر، بيَّن سبحانه وجوب ستره وتغطيته، وكيفية ضرب المرأة للحجاب على ما لا يستره القميص، فقال عز شأنه ‏:‏ ‏{‏وليضربن بخمرهن على جيوبهن‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏، والضرب‏:‏ إيقاع شيء على شيء، ومنه‏:‏ ‏{‏ضربت عليهم الذلة‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 112‏]‏ أي‏:‏ التحفتهم الذلة التحاف الخيمة بمن ضُربت عليه ‏.‏

والـخُمر‏:‏ جمع خِمار، مأخوذ من الخمر، وهو‏:‏ الستر والتغطية، ومنه قيل للخمر خمرًا؛ لأنها تستر العقل وتغطيه، قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله تعالى ـ في ‏[‏فتح الباري‏:‏ 8/489‏]‏ ‏:‏ ومنه خمار المرأة؛ لأنه يستر وجهها ‏.‏ انتهى ‏.‏

ويقال‏:‏ اختمرت المرأة وتخمَّرت، إذا احتجبت وغطَّت وجهها ‏.‏

والجيوب مفردها‏:‏ جيب، وهو شق في طول القميص ‏.‏

فيكون معنى‏:‏ ‏{‏وليضربن بخمرهن على جيوبهن‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏‏.‏ أمر من الله لنساء المؤمنين أن يلقين بالخمار إلقاء محكمًا على المواضع المكشوفة، وهي‏:‏ الرأس، والوجه، والعنق، والنحر، والصدر‏.‏ وذلك بِلَفِّ الخمار الذي تضعه المرأة على رأسها، وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهذا هو التقنع، وهذا خلافًا لما كان عليه أهل الجاهلية من سدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما هو قدامها، فأمرن بالاستتار‏.‏

ويدل لهذا التفسير المتسق مع ما قبله، الملاقي للسان العرب كما ترى، أن هذا هو الذي فهمه نساء الصحابة رضي الله عن الجميع، فعملن به، وعليها ترجم البخاري في صحيحه، فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏ باب‏:‏ وليضربن بخمرهن على جيوبهن‏)‏‏)‏ ، وساق بسنده حديث عائشة رضي الله عنها قالت‏:‏ يرحم الله نساء المهاجرين الأول، لما أنزل الله ‏:‏ ‏{‏وليضربن بخمرهن على جيوبهن‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 31‏]‏‏.‏ شققن مروطهن فاختمرن بها‏.‏

قال ابن حجر في ‏[‏الفتح‏:‏ 8/489‏]‏ في شرح هذا الحديث‏:‏ ‏(‏‏(‏ قوله‏:‏ فاختمرن‏:‏ أي غطين وجوههن - وذكر صفته كما تقدم - ‏)‏‏)‏ انتهى ‏.‏

ومَن نازع فقال بكشف الوجه؛ لأن الله لم يصرح بذكره هنا، فإنا نقول له‏:‏ إن الله سبحانه لم يذكر هنا‏:‏ الرأس، والعنق، والنحر، والصدر، والعضدين، والذراعين، والكفين، فهل يجوز الكشف عن هذه المواضع‏؟‏ فإن قال‏:‏ لا، قلنا‏:‏ والوجه كذلك لا يجوز كشفه من باب أولى؛ لأنه موضع الجمال والفتنة، وكيف تأمر الشريعة بستر الرأس والعنق والنحر والصدر والذراعين والقدمين، ولا تأمر بستر الوجه وتغطيته، وهو أشد فتنة وأكثر تأثيرًا على الناظر والمنظور إليه‏؟‏

وأيضًا ما جوابكم عن فهم نساء الصحابة رضي الله عن الجميع في مبادرتهن إلى ستر وجوههن حين نزلت هذه الآية ‏؟‏


لما أمر الله سبحانه بإخفاء الزينة، وذكر جل وعلا كيفية الاختمار، وضربه على الوجه والصدر ونحوهما، نهى سبحانه لكمال الاستتار، ودفع دواعي الافتتان، نساء المؤمنين إذا مشين عن الضرب بالأرجل، حتى لا يُصوَّت ما عليهن من حلي، كخلاخل وغيرها، فتعلم زينتها بذلك، فيكون سببًا للفتنة، وهذا من عمل الشيطان‏.‏

وفي هذا الوجه ثلاث دلالات

الأولى‏:‏ يحرم على نساء المؤمنين ضرب أرجلهن ليعلم ما عليهن من زينة

الثانية‏:‏ يجب على نساء المؤمنين ستر أرجلهن

وما عليهن من الزينة، فلا يجوز لهن كشفها‏.‏

الثالثة‏:‏ حرَّم الله على نساء المؤمنين كل ما يدعو إلى الفتنة

وإنه من باب الأولى والأقوى يحرم سفور المرأة وكشفها عن وجهها أمام الأجانب عنها من الرجال؛ لأن كشفه أشد داعية لإثارة الفتنة وتحريكها، فهو أحق بالستر والتغطية وعدم إبدائه أمام الأجانب، ولا يستريب في هذا عاقل ‏.‏

فانظر كيف انتظمت هذه الآية حجب النساء عن الرجال الأجانب من أعلى الرأس إلى القدمين، وإعمال سد الذرائع الموصلة إلى تعمد كشف شيء من بدنها أو زينتها خشية الافتتان بها، فسبحان من شرع فأحكم ‏.‏ .

 

 

المرأة المسلمة - حراسة الفضيلة